السّعوديّة والحربُ فى السُّودان: تقديراتٌ خاطئة، أم غباءٌ مركّب؟

بدون زعل

عبد الحفيظ مريود

السّعوديّة والحربُ فى السُّودان:

تقديراتٌ خاطئة، أم غباءٌ مركّب؟

 

منذُ بروز وليّ العهد، محمّد بن سلمان، على مسرح الأحداث، وكابينة القيادة السّعوديّة، بدتِ المملكة العربيّة السّعوديّة مصارعاً مفتول العضلات، على الصّعيد الإقليمىّ، قليل النّباهة، قادراً على إحداث جلبةٍ عالية، دون تحقيق نتائجَ ملموسة على الأرض. وذلك بسبب قلّة النّباهة، ومجافاة العقلانيّة. وهى حالة مثيرة للشفقة، وصفها – ذات مرّةٍ – دكتور صلاح آل بندر بأنّها أرشيف ضخم من الإخفاق. وإنطلاقاً من تعقيد المشهد الدّاخلىّ فى لبنان، والدّفع به إلى حضيضٍ مزرٍ، مروراً بعاصفة الحزم، القائمة على تدمير اليمن، ثمَّ حصار قطر الخانق، وصولاً إلى الدّخول بقوّةٍ فى الحرب السُّودانيّة بين جيش الإخوان المسلمين وقوّات الدّعم السّريع، التى بدأتْ فى الخامس عشر من أبريل 2023م، تنمذجُ المملكة العربيّة السّعوديّة – بامتياز – “أرشيف الفشل الإقليمىّ”، الذى يعكس – دون أدنى شكّ – الفشل الدّاخلىّ العميق.

تتمظهرُ الأزمة العميقة فى محاولات محمّد بن سلمان الإنتقال الحادّ من السّكونيّة المحافظة، إلى الفاعليّة. وذلك من خلال إحداث تغييرات فى الحياة السّعودية بعد إلفةٍ استمرت ما يقاربُ القرن. على صعيد المذهب الدّينىّ الذى كان يحكم مطلق الحياة – باستثناء حياة القصور، بالطّبع – إلى انفتاحٍ لامذهبىّ، وحرّيّاتٍ جريئة، لا تطال القصور وميراث السّلطة. فقد قرّر بن سلمان ألغاء كون الوهابيّة مذهباً ومسلكاً وطريقة حياة سعوديّة شهيرة. يترتّبُ على ذلك تغييرات على وضعيات ومكانة المرأة السّعوديّة، الشّباب، وممسكات الهويّة. الشيئ الذى أحدث اضطراباً وإرتباكاً هائلاً على المستوى الرؤيوىّ، فيما يتعلّقُ بصورة السّعودىّ عن نفسه، وصورته فى مخيّلة الآخر. فالانتقال من الإنكفاء والتزمّت، إلى الحفلات والسّفور، وربّما الخلاعة، دون تمرحلٍ، ينبئُ عن أزمة نفسية وعقلية. ولآنَّ المجتمع السّعودىّ خانعٌ مدجّنٌ حتّى النّخاع، فقد أجرى الفقهاء، السياسيّون، رموز المجتمع – بسرعةٍ فائقة – ما يستلزمه ذلك الانتقال الحادّ من فتاوى ومقولات وتفسيراتٍ ضروريّة، لإقناع الدّاخل والخارج المراقب باستغراب واستنكارٍ محدود.

قبل أنْ يخوض المصارعُ الضّخم الجثّة، القليل النّباهة انتقاله الحادّ ذاك، أجرى قمعاً لم تشهده السّلطة السّعوديّة، داخل الأسرة الحاكمة من آل سعود وآل الشيخ وأصهارهم. وذلك من خلال تقليم أظافرهم ومخالبهم، بالسّجن ومصادرة الأموال وتحجيم الدّور، باتّجاه دكتاتوريّة الفرد، بدلاً عن ديكتاتوريّة البيت الحاكم.

النّجاح – أقولُ النّجاح تجاوزاً وحجاجاً – الذى بدا على الصّعيد الدّاخلىّ، المتمثّل فى الانتقال الحادّ من التقليديّة والمحافظة إلى الانفتاح، أغرى السّعوديّة بالانتقال من الانكفاء إلى لعب أدوار أقليميّة ليست مؤهّلة للعبها. وأثناء تخبّطها المثير للشفقة، بحثاً عن ذلك الدّور، انتقلتْ من عداء راسخٍ للإسلام السياسىّ، متمثلاً فى الإخوان المسلمين، إلى مهادنته، دعمه، التحالف معه. ربّما تعودُ فضيحة إغتيال خاشقجىّ والتمثيل بجثته، داخل السّفارة السّعوديّة بتركيا، وامتلاك تركيا للأدلة، إلى تغيير الموقف من الإسلام السياسيّ. فقد هدّدتْ تركيا، أكثر من مرّة، بنشر الفيديوهات والمكالمات المرتبطة بتلك الفضيحة. والفضيحة تلك، هى التى تدفعُ ترامب للقيام بابتزاز مستمر للمملكة. لكنَّ الواضح أنّها شكّلت نقطة التحوّل فى العلاقات مع تركيا، ومع مَنْ تظلّلهم تركيا بظلّها من الأنظمة القائمة على أرضيّات الاسلام السياسيّ والإخوان المسلمين.

كلُّ ذلك جعل المملكة العربيّة السّعوديّة تنخرطُ – منذ اليوم الأوّل من الحرب فى السُّودان – فى الحرب إلى جانب جيش ونّظام الإخوان المسلمين الحاكم، أو المتسلّل إلى الحكم، عبر نافذة الانقلاب، تصحيحاً لثورة ديسمبر، أو افتعالاً لحرب مدمّرة تحت ذريعة الكرامة. فقد ثبت أنَّ منبر جدّة لم يكن إلّا فخّاً، ومحاولات لكسب الوقت، حتّى يُعَادَ تسليح وتدريب كتائب الإسلاميين على المسيّرات والمعدّات الحديثة، لوقف زحف الدّعم السّريع، وإجباره على الخروج من ولايات الوسط والخرطوم.

ثمَّ بدأتْ فى التمويل والتسليح وفتح مسارات معلنة لدعم جيش الإسلاميين. من خلال مسارات السلاح الكيميائي، غاز الكلور، أو من خلال تتبّع مسارات وصفقات السّلاح التركيّة والباكستانيّة لتزويد الجيش بما يحتاجه لاستمرار الحرب. فهل تخوضُ المملكة العربيّة السّعوديّة الحرب فى السُّودان، وفقاً لاستراتيجيّة واضحة، أمْ هو انتقالٌ يُشبه الانتقال من الوهابيّة والنّقاب، إلى البنطلون والسفور والحفلات الصّاخبة، لإظهار الانفتاح واللبرلة؟

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.