الأهمية الاستراتيجية والجيوسياسية لمدينة قيسان

أما حكاية !

 

الأهمية الاستراتيجية والجيوسياسية لمدينة قيسان

 

 

إيهاب مادبو

 

ليست كل المدن متساوية في قيمتها الاستراتيجية، فبعضها تكتسب أهميتها من حجمها السكاني أو ثقلها الاقتصادي، بينما تستمد مدن أخرى قيمتها الحقيقية من موقعها داخل الجغرافيا السياسية للصراع.

 

وقيسان واحدة من هذه المدن التي قد يبدو حجمها محدوداً على الخريطة، لكن موقعها يمنحها أهمية تتجاوز كثيراً حدودها الإدارية، ولذلك فإن إعلان قوات تحالف «تأسيس» سيطرتها على قيسان لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تطور ميداني عابر في ولاية النيل الأزرق، وإنما باعتباره تحولاً يحمل أبعاداً سياسية وجغرافية وأمنية أوسع.

 

تقع قيسان في الجزء الجنوبي الشرقي من ولاية النيل الأزرق، بالقرب من الحدود الإثيوبية، وتبعد نحو 178 كيلومتراً عن الدمازين، عاصمة الولاية. ويضعها هذا الموقع داخل واحد من أكثر الأحزمة الحدودية حساسية في السودان، ومن هذه الزاوية، فإن قيسان ليست مجرد محلية بعيدة عن مركز الولاية، وإنما نقطة متقدمة داخل فضاء جغرافي شديد الأهمية.

 

وتكمن القيمة الأولى لقيسان في موقعها الحدودي. فالحدود السودانية الإثيوبية لم تكن في تاريخها مجرد خط جغرافي يفصل بين دولتين، بل ظلت منطقة مفتوحة للتجارة والحركة السكانية والتداخل الاجتماعي، ولذلك فإن وجود قوة سياسية أو عسكرية مؤثرة في هذه المنطقة يمنحها قدرة أكبر على التأثير في البيئة المحيطة بها، ويمنحها كذلك وزناً تفاوضياً لا يمكن قياسه بحجم المدينة أو عدد سكانها وحده.

 

ومن هنا يمكن فهم أهمية سيطرة «تأسيس» على قيسان. فالمكسب لا يتمثل فقط في إضافة مدينة جديدة إلى خريطة النفوذ، وإنما في امتلاك موطئ قدم داخل الحزام الحدودي الشرقي للنيل الأزرق. وهذا يمنح التحالف عمقاً جغرافياً أكبر، ويعزز حضوره في منطقة ترتبط مباشرة بالحدود الإثيوبية، كما يفتح أمامه مجالاً أوسع للتواصل مع المجتمعات المحلية والمناطق المحيطة، ويغير من طبيعة حضوره السياسي في الإقليم.

 

كما أن قيسان تمثل حلقة مهمة بين المناطق الحدودية فإن السيطرة عليها يمكن أن تمنح «تأسيس» قدرة أكبر على تنظيم الاتصال المدني والإداري والاقتصادي بين المناطق الواقعة في نطاق نفوذه، وهذه النقطة تحديداً هي التي تجعل القيمة اللوجستية لقيسان أوسع من مفهومها العسكري الضيق؛ فالمدينة يمكن أن تصبح مركزاً للاتصال والحركة والخدمات بالنسبة إلى محيطها الجغرافي.

 

وفي الصراعات الممتدة، تتحول المدن الحدودية في كثير من الأحيان إلى عقد جغرافية تتجاوز وظيفتها المحلية. فالسيطرة عليها تمنح الطرف المسيطر قدرة أكبر على إدارة المجال المحيط به، وعلى التواصل مع المناطق المجاورة، وعلى بناء شبكة من النفوذ السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

 

ايضا تكتسب المسألة أهمية أكبر عند وضع قيسان داخل  فالولاية ليست منطقة هامشية في الحسابات السودانية، وإنما تقع في قلب مجموعة من الملفات الاستراتيجية، فضلاً عن قربها من إثيوبيا واتصالها بالمجال الجغرافي للقرن الأفريقي ولذلك فإن أي تغير كبير في موازين القوى داخل جنوب وشرق الولاية يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز حدود قيسان نفسها.

 

 

ومن الناحية الاقتصادية والاجتماعية، فإن أهمية قيسان لا تقل عن أهميتها الأمنية. فالمنطقة ترتبط بالزراعة والرعي والتجارة المحلية والعابرة للحدود، كما أن المجتمعات الموجودة على جانبي الحدود ترتبط تاريخياً بمصالح وحركة تتجاوز الحدود السياسية. وبالتالي فإن استقرار قيسان يمكن أن يفتح المجال أمام إعادة تنشيط هذه الحركة، بينما استمرار الصراع فيها سيحولها إلى نقطة ضغط جديدة على السكان والاقتصاد المحلي.

 

ومن الناحية السياسية، يمكن أن تمنح قيسان «تأسيس» ورقة إضافية في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالنيل الأزرق أو بالحدود السودانية الإثيوبية. فامتلاك نفوذ فعلي في منطقة حدودية حساسة يغير موقع أي طرف على طاولة التفاوض، ويمنحه قدرة أكبر على طرح نفسه باعتباره لاعباً يمتلك حضوراً جغرافياً حقيقياً، وليس مجرد تحالف سياسي يعمل من خارج مناطق النفوذ المباشر.

 

كما أن قيسان تكتسب أهمية إضافية من قربها من إثيوبيا ومن موقع النيل الأزرق داخل منظومة القرن الأفريقي. فالمنطقة تتقاطع فيها ملفات الأمن والحدود والزراعة والمياه والتجارة والحركة السكانية، ما يجعل أي تحول في ميزان القوى داخلها محل اهتمام يتجاوز السودان نفسه. ومن هذه الزاوية، فإن ما يحدث في قيسان يمكن أن يكون له أثر على حسابات القوى المحلية والإقليمية المرتبطة بالنيل الأزرق والحدود الشرقية.

 

لذلك، فإن اختزال قيسان في كونها «مدينة حدودية» يقلل كثيراً من قيمتها الحقيقية. فهي نقطة اتصال بين الجغرافيا الداخلية للنيل الأزرق ومجاله الحدودي، ونافذة على شبكة أوسع من العلاقات مع إثيوبيا والقرن الأفريقي، وموقع يمكن أن يجمع بين القيمة السياسية والاقتصادية واللوجستية في آن واحد.

 

قيسان، إذن، ليست مجرد مدينة تغيرت فيها خريطة السيطرة، وإنما نقطة تقع على تقاطع أكثر من جغرافيا: جغرافيا الحرب، وجغرافيا الحدود، وجغرافيا الاقتصاد، وجغرافيا القرن الأفريقي. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من يسيطر على قيسان؟ وإنما: ماذا يستطيع أن يفعل بهذه الجغرافيا بعد السيطرة عليها؟

 

وهنا تصبح الحكاية أكبر من قيسان نفسها؛ لأن من يفهم قيمة الموقع، يستطيع أن يفهم قيمة النفوذ الذي يمكن أن يولده الموقع.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.