السودان: قلعةُ الملاماتية الكبرى! أو كيف يُودِعُ اللهُ سرَّه في نقيضه؟

 

الجميل الفاضل يكتب:

السودان: قلعةُ الملاماتية الكبرى!

أو كيف يُودِعُ اللهُ سرَّه في نقيضه؟

 

ليس كلُّ ما ظهرَ قد ظهر.

فكم من حقيقةٍ اختارت أن تلبس قناعها، وكم من نورٍ استعار ظلمةً ليعبرَ الطريق، وكم من سرٍّ عاهد نفسَه ألا يُعرَف إلا إذا أُسيء فهمُه.

ولذلك قال أهلُ الطريق: إذا رأيتَ الله قد أسدل حجاباً على شيء، فلا تُعِنْ نفسَك على كشفه قبل أوانه؛ فإنَّ للحجاب رحمةً كما للنور رحمة.

فما من فكرةٍ تطأ أرضَ السودان إلا وتدخلُ قبلها امتحاناً عسيراً.

إذ الأرضُ هنا ليست تراباً فحسب، إنما هي ميزانٌ دقيق.

تَزِنُ الأرواحَ قبل الأقوال، وتختبر القلوبَ قبل الرايات، ثم تردُّ كلَّ شيءٍ إلى أصله الأول.

فمن جاء يطلب سلطاناً، خرج وهو يحمل عبءَ نفسِه.

ومن جاء يطلب الحقيقة، خرج وهو يعلم أن الحقيقة لا تُمَلَّك، بل هي التي تملِك صاحبَها.

ولذلك لم أعد أسأل: كيف دخلت الأيديولوجياتُ السودان؟

بل صرتُ أسأل: ماذا فعل السودان بالماركسية، وبالعروبية، وبالإخوان؟

فالبحار لا تشرب الماء، إنما تُغيِّر طعمَه.

والأرض لا تحفظ البذور كما هي، لكنها تُعيد بناءها من جديد.

وما دخل هذا الوادي فكرٌ أو مذهبٌ إلا خرج منه بلونٍ آخر، وروحٍ مختلفة.

رأيتُ الأفكار في السودان تشبه القوافل.

تدخل محمَّلةً بضجيجها ويقينها، ثم لا تلبث أن تُلقي أحمالَها عند أبواب الروح.

تتخفَّف من غرورها، وتخلع دروعَها، وتدخل حافيةً إلى حضرة فطرة أهل السودان المباركة.

وأدركتُ أن الملاماتية ليست طريقةً صوفيةً فحسب، إنما هي سنَّةٌ من سنن الله في إخفاء أوليائه.

فكلَّما عظُم سرُّ الرجل، اشتدَّ عليه الحجاب.

وكلَّما اقترب قلبُه من الإخلاص، ازداد نصيبُه من سوء فهم الخلق.

ذلك لأن النفس تحب أن تُرى، أما الروح فتحب أن ترى.

ثم انكشف لي سرٌّ آخر:

أن الناس يظنون الأضدادَ تتنازع، بينما الأضدادُ – حتى في ملكوت هذه الأرض – قد تتجاور في سلام.

فكم من قلبٍ لبس ثوباً لا يشبهه، ليصون نفسَه من التصفيق.

وكم من رجلٍ احتمى باسمٍ يكرهه الناس، كي لا يفسد مديحُهم صفاءَ عباداته أو معاملاته.

فالعارفون لا يخافون الذمَّ، إنما يخافون الشهرة.

ولا يخشون الخسارة، إنما يخشون أن تمتدَّ يدُ النفس إلى ثواب العمل فتنهبه.

هنا فهمتُ سرَّ السودان.

إنه لا يُخرِّج أحزاباً، لكنه يُخرِّج مبتَلَين.

وما السياسة في هذا البلد إلا صورةٌ من صور الابتلاء.

فمنهم من ابتُلي بالسلطة، ومنهم من ابتُلي بالمعارضة، ومنهم من ابتُلي بالحق وهو يحمله، ومنهم من ابتُلي بالحق وهو يطلبه، فلا يدركه إلا عند آخر الطريق.

ولعلَّ أعجبَ الأسرار أن الله لا يضع كنوزَه حيث يبحث الناس.

فحين يفتشون عنها في المنابر، يجدونها في المقاصل.

وحين يطلبونها عند الساسة، يلقونها عند مجهولين أخفياء.

وحين يبحثون عنها في الشعارات، تكون كامنةً هي في سرِّ رجلٍ يمشي صامتاً إلى قبره، لا يدري أن سيرتَه قد صارت دعاءً يسري بين الناس.

ومن أجل ذلك أخشى على كل فكرةٍ من أتباعها.

فالفكرة لا يهزمها خصومُها دائماً،

بل قد يهزمها أولئك الذين يرفعون رايتَها، إذا جعلوا الرايةَ غايةً، ونسوا الطريق.

المهم، فالطريق في السودان ليس إلى حزبٍ، ولا إلى جماعةٍ، ولا إلى اسم.

الطريقُ إلى الإنسان الذي إذا خلا بربه لم يجد بينه وبين الحقيقة لافتةً مرفوعة.

ثم سمعتُ في باطني صوتاً يقول:

«يا هذا، لا تبحث عن أوليائي في الأسماء الرنّانة، فتلك الأسماء حجاب.

ولا تفتش عنهم تحت الرايات، فتلك الرايات ريح.

ولكن ابحث عنهم في أثر الرحمة إذا مرَّت، وفي رائحة الصدق إذا حضرت، وفي خفّة القلب إذا نجا من نفسِه.

أولئك عبادي؛ يعرفهم من عرفني، ويجهلهم من وقف عند ظواهر الأمور.»

فالغافل – كما قال شاعر – من ظنَّ الأشياء هي الأشياء.

على أيَّة حال، فالملاماتية ليست قلعةً يسكنها قوم، إنما هي باب واسع يدخل منه كلُّ من ماتت فيه دعوى النفس، وبقيت فيه خدمةُ الخلق.

وعلمتُ فيما علمت، أن السودان، في أصفى لحظاته، لم يكن يصنع رجالَ سياسة، إنما كان يصنع رجالَ أثر.

أولئك الذين يختبئون تحت التراب كالبذور.

فإذا أذن الله بالخروج، قيل: ما أنبتت هذه الأرضُ إلا الذين لم يطلبوا أن يُعرَفوا.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.