أمدرمان الذاكرة القومية التي هزمت مشروع الكيزان اللاحضاري..

 

✍️ أحمد عثمان محمد المبارك

 

من يقرأ تاريخ أم درمان يدرك يقيناً أنها لم تكن مجرد رقعة جغرافية امتدت على الضفة الغربية للنيل الأبيض، بل كانت العصب الحي والوجدان الذي شكل الأمة السودانية بكامل تنوعها وثقلها. ومنذ أن اتخذها الإمام محمد أحمد المهدي عاصمة لدولته، تحولت أم درمان إلى بوتقة انصهرت فيها القبائل والإثنيات من شمال السودان وجنوبه، وغربه وشرفه، لتنتج نسيجاً اجتماعياً فريداً عصياً على التدجين. كانت المدينة مهد الحركة الوطنية، ومقر الأزهري والمحجوب، والمنارة الفكرية التي تجلى فيها النموذج الأسمى للقومية السودانية، حيث التقت فيها أصالة التصوف بالروح الوطنية الجامعة..وشكلت الطرق الصوفية فيها خط الدفاع الأول والوسيط المتزن بين المجتمع والسلطة.

وفي أزقتها ودروبها العريقة، وُلد الفن السوداني على يد عمالقة أمثال عبدالرحمن الريح وعثمان حسين وإبراهيم عوض وعثمان الشفيع، وتنفس الشعر والأدب من رئة البروف علي المك، ونبتت الرياضة الوطنية في أروقة الهلال والمريخ…

باختصار كانت أم درمان وما زالت تمثل ذاكرة الأمة التراكمية، ومخزن الهوية الوطنية، ومصدر التشكل الثقافي الذي منح السودانيين شعوراً جميلاً بذواتهم.

 

​هذا الزخم الثقافي والاجتماعي التاريخي جعل من أم درمان تحدياً وجودياً لمشروع الجبهة الإسلامية القومية عندما اعتلت السلطة عبر انقلاب يونيو تسعة وثمانين. لم يكن تخوف الإسلاميين من أم درمان مجرد توجس سياسي تقليدي من مدينة تضم معارضيهم، بل كان خوفاً عميقاً من المعمار الوجداني للمدينة الذي تعارض كلياً مع مشروعهم اللاحضاري. لقد سعى الكيزان إلى إعادة صياغة الإنسان السوداني وفق قالب أيديولوجي أحادي، بتفكيك البنى الاجتماعية والثقافية التقليدية، غير أنهم تصادموا مع حقيقة أن أم درمان تملك مناعة ذاتية ضد المحو والتجريف. فالفن الأصيل، والرياضة العريقة، والتسامح الصوفي، والخيال الجمعي العصي على التوجيه، كانت كلها تتمركز في أم درمان وتشكل سداً منيعاً يرفض الاستيعاب القسري في مشروع الجماعة.

 

​من هنا، يمكن فهم حالة الإهمال والتهميش المتعمد الذي طال أم درمان طيلة ثلاثة عقود من حكمهم العضوض. لم تكن المسألة مجرد ضعف في موارد الدولة أو سوء إدارة للتنمية، بل كانت استراتيجية غير معلنة تهدف الى تجميد المدينة وتحجيم دورها القيادي، فتركوها على حالها العمراني القديم، حرموها من مشاريع التنمية الحقيقية والبنية التحتية المتقدمة، متعللين بطابعها التراثي، بينما كان الهدف الحقيقي هو محاصرة مركز الإشعاع الثقافي والسياسي والاجتماعي، حتى لا يستعيد قدرته على التعبئة والتغيير. وقد أدركت الحركة الإسلامية أن تطوير أم درمان وتغذية روحها التنافسية والحرة قد يحيي ذاكرة النضال الوطني، ويستنهض الشارع الذي طالما صنع التحولات الكبرى في تاريخ السودان الحديث.

 

​ورغم كل محاولات التهميش والتضييق ومحاربة منابر الفن والثقافة وشيطنة الرموز الوطنية، ظلت أم درمان حارسة لذاكرة الامة  التي لم تستطع الحركة الإسلامية محوها. فظلت بيوتها المفتوحة، وأزقتها التي تفوح منها رائحة التاريخ، وأنديتها، وحلقات ذكرها، وأغنياتها الخالدة تشهد على فشل محاولات إعادة تشكيل الوجدان السوداني بالقوة أو الإهمال. لقد غادر الإسلاميون السلطة وبقيت أم درمان كما كانت، حكايات التاريخ، ومستودع الوطنية، واثبتت هذه المدينة أن الذاكرة الحية للشعوب أقوى وأبقى من كل المشاريع الأيديولوجية العابرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.