الدولة العميقة… إمبراطورية الخراب

بقلم: صفاء الزين

 

الدولة العميقة في السودان هي المتهم الأول في جريمة انهيار الوطن. أكثر من ثلاثة عقود وهي تمسك برقبة الدولة، وتحتكر القرار، وتختطف المؤسسات، وتعيد تشكيل السلطة بما يحفظ نفوذها ويغلق الطريق أمام أي تحول ديمقراطي حقيقي. تغيّرت الحكومات، وسقطت رؤوس، واندلعت ثورات، واشتعلت حروب، وظلت هذه المنظومة متمسكة بمواقعها، تبدّل وجوهها كلما اقتضت المصلحة، وتدفع بواجهات جديدة كلما استُهلكت القديمة. هدفها واحد: إبقاء السلطة في قبضتها، مهما دفع السودان من دم، وتشريد، وانهيار اقتصادي، وتمزيق للنسيج الاجتماعي.

 

السؤال: من يقتل السودان؟ الإجابة تتجاوز شخصًا واحدًا، أو معركة واحدة، أو مرحلة سياسية بعينها. القاتل منظومة صنعت من الحرب طريقًا، وحولت مؤسسات الدولة إلى أدوات لحماية مصالحها، ورسخت اقتصادًا يتغذى على الأزمات، وسياسة تعيش على الانقسام، وخطابًا يؤجج الكراهية حتى يظل الشعب مستنزفًا في صراعاته، فيما تواصل الدولة العميقة إحكام قبضتها على الوطن.

 

القاتل الحقيقي هو الذهنية التي جعلت السلطة غاية، والوطن وسيلة. ذهنية تخشى التحول الديمقراطي، وتقاوم كل مشروع يعيد القرار إلى الشعب، وتتعامل مع الدولة كملكية خاصة. كلما اقترب السودانيون من تسوية سياسية، تحركت شبكات المصالح لتعطيلها، وكلما ظهر أفق للسلام، اشتعلت جبهة جديدة، وكلما نهض مشروع لبناء مؤسسات وطنية، أُغرقت الساحة في صراعات إضافية. الحرب لدى هذه المنظومة أداة لإطالة عمرها، والفوضى ضمانة لاستمرار نفوذها، والانقسام وقود لمشروعها السياسي.

 

وفي السودان اليوم، يجري اغتيال المستقبل بأدوات متعددة، تبدأ بتمزيق النسيج الاجتماعي، وتمتد إلى تحويل المجتمع إلى ساحات للخوف والشك، وصولًا إلى إعلام يصنع روايات مشبعة بالعقيدة أو القبيلة أو الجهوية لتبرير معارك بعيدة عن مصالح الوطن. إنها حرب منظومة قديمة ضد فكرة الدولة ذاتها، فكلما اتسعت دوائر الوعي الشعبي، تضاعف خوف الدولة العميقة، وكلما تعاظم الصوت المدني، ارتفعت أصوات السلاح في مواجهته.

 

وفي هذا السياق، أرى أن استمرار نفوذ الدولة العميقة ارتبط بعودة شبكات الحركة الإسلامية إلى التأثير داخل مؤسسات الدولة، وأن سلطة عبد الفتاح البرهان وفرت مساحة لإعادة ترتيب هذه الشبكات وتعزيز حضورها السياسي والعسكري. ومع استمرار الحرب، تعاظمت المخاوف من تحول الصراع إلى وسيلة لإطالة عمر مراكز النفوذ القديمة، فيما يتحمل المواطن السوداني الكلفة الأكبر من حياته، وأمنه، ومستقبله.

 

والدولة العميقة تتجاوز مؤسسة بعينها، فهي شبكة ممتدة من الأجهزة، والأموال، والتحالفات، ومراكز النفوذ، تعمل على تعطيل أي مشروع يهدد استمرارها. وتتداخل داخلها المصالح الاقتصادية، والنفوذ السياسي، والمنابر الإعلامية، والولاءات التنظيمية، بما يمنحها قدرة عالية على التكيف، وتبديل مواقعها، وإعادة إنتاج نفوذها كلما واجهت خطر التغيير.

 

من يقتل السودان إذن؟ يقتله من يرى السلطة حقًا دائمًا، ومن يقدم الولاء التنظيمي على الوطن، ومن يحول الحرب إلى وسيلة سياسية، ومن يستخدم الانقسام لإدارة المجتمع عوضًا عن بناء دولة تجمع أبناءه، ومن يجعل مؤسسات الدولة أدوات لحماية جماعة أو شبكة مصالح، ومن يستثمر في ضعف القانون كي يحافظ على امتيازاته.

 

ورغم ذلك، يظل السودان بلدًا عصيًا على الموت. كلما ظنت القوى المستفيدة من الفوضى أنها أغلقت الأفق، نشأ وعي جديد، وظهرت أجيال تبحث عن وطن مختلف، وطن تتحرر مؤسساته من امتيازات الماضي وصراعات المصالح، ويجد فيه المواطن قيمته من حقوقه وكفاءته ومواطنته، بعيدًا عن انتمائه التنظيمي أو الجهوي أو الاجتماعي.

 

إن الخروج من دائرة الدولة العميقة يحتاج إلى مشروع تأسيس يعيد بناء الدولة على قاعدة عقد اجتماعي جديد، ويحرر المؤسسات من الولاءات القديمة، ويجعل السلطة مسؤولية عامة تخضع للمحاسبة. ويحتاج السودان إلى تجفيف اقتصاد الحرب، وإعادة تعريف دور المؤسسة العسكرية ضمن دولة مدنية ديمقراطية، وبناء أجهزة رقابة ومحاسبة مستقلة، وإصلاح الخدمة المدنية، واسترداد استقلال القضاء، وضبط العلاقة بين المال والسياسة، وكشف شبكات المصالح التي راكمت نفوذها عبر مؤسسات الدولة ومحيطها.

 

كما يتطلب تفكيك الدولة العميقة معالجة البيئة التي سمحت لها بالنمو والاستمرار. فإزالة الأشخاص مع بقاء القواعد المنتجة للنفوذ تعيد الأزمة بصور وأسماء جديدة. المطلوب إصلاح مؤسسي واسع يضع حدودًا واضحة للسلطة، ويمنع تضارب المصالح، ويخضع المال العام للرقابة، ويصون استقلال القضاء والخدمة المدنية، ويعيد الأجهزة الأمنية والعسكرية إلى وظائفها المهنية، ويمنح المجتمع أدوات حقيقية لمراقبة السلطة ومساءلتها.

 

والمعركة الأعمق تمتد إلى مفهوم الدولة في الوعي السوداني. فالدولة التي نريدها ينبغي أن تصبح أكبر من الحزب، وأبقى من الحاكم، وأقوى من الجماعة، وأوسع من القبيلة، وأرفع من مصالح شبكات المال والسلاح. دولة تتغير فيها الحكومات وتبقى المؤسسات، يتداول فيها السياسيون المسؤولية وتستمر الخدمة العامة، ويغادر الحاكم منصبه دون أن تهتز أركان الوطن، لأن شرعية الدولة تستقر في دستورها ومؤسساتها ومواطنيها، بعيدًا عن شخص أو تنظيم أو مركز قوة.

 

ختامًا: في نهاية المطاف، فإن المعركة مع الدولة العميقة هي معركة على من يملك الدولة، ولمن تعمل، وكيف تُدار، ومن يراقب سلطتها. والنجاح فيها يبدأ بتحويل السودان من دولة قابلة للاختطاف إلى دولة عصية على الاحتكار، عبر مؤسسات تستمد قوتها من الدستور، واقتصاد تُكشف مسارات أمواله، وأجهزة نظامية تحتكرها المهنية الوطنية، وقضاء يحرس الحقوق، ومجتمع يمتلك أدوات الرقابة والمساءلة. والاختبار الحقيقي لأي تحول قادم سيقاس بقدرته على منع عودة الشبكات القديمة بأسماء جديدة، وتجفيف منابع النفوذ الموازي، وتأسيس قواعد تجعل تغيير الحكومات أمرًا طبيعيًا، واختطاف الدولة أمرًا مستحيلًا. عندئذ يصبح سقوط الدولة العميقة انتقالًا تاريخيًا من وطن تحكمه مراكز القوة إلى جمهورية تحكمها المؤسسات، ومن ذاكرة مثق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.