كابوس الكيماوي يحاصر بورتسودان.. هل بدأت الأيام الأخيرة لنفوذ الكيزان؟

كابوس الكيماوي يحاصر بورتسودان..

 

هل بدأت الأيام الأخيرة لنفوذ الكيزان؟

 

 

✍🏼كتب أحمد عثمان محمد المبارك

 

فجرت التحركات الدولية الأخيرة والمكثفة، والتسريبات المتلاحقة بشأن استخدام غاز الكلور في مناطق العمليات العسكرية بالسودان، مواجهة وجودية جديدة لسلطة بورتسودان وللتيار الإسلامي بمختلف واجهاته السياسية والعسكرية. ولم تكن العقوبات والتقارير الفنية المتداولة مجرد إجراءات دبلوماسية، بل شكلت صدمة استراتيجية أعادت ترتيب أوراق الأزمة السودانية ونقلتها من سياق النزاع الداخلي المستعصي إلى مربع التهديد للأمن والسلم الدوليين، مما يضع جميع مكونات هذا التيار أمام معضلة حقيقية تتطلب تقاسمًا دقيقًا للأدوار لمحاصرة آثار هذه الأزمة.

 

و​في هذا المشهد المعقد، ستسارع الواجهة السياسية المتمثلة في المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية إلى بناء جدار صد إعلامي ودبلوماسي يرتكز بالأساس على خطاب المؤامرة والسيادة الوطنية، حيث تصوّر هذه التحركات الدولية على أنها استهداف ممنهج لشرعية القوات المسلحة وتسهيل مبطن لتقدم قوات الدعم السريع. هذا الإنكار المطلق يرافقه جهد مواز يسعى لإغراق المشهد باتهامات مضادة للطرف الآخر بارتكاب انتهاكات وتطهير عرقي، بهدف خلق حالة من التوازن في الإدانة الأخلاقية والسياسية أمام المجتمع الدولي، مع المراهنة المستمرة على الحلفاء الإقليميين والدوليين لتعطيل أي قرارات ملزمة قد تصدر تحت البند السابع.

 

​وعلى الجانب الآخر، يبدو أن الجناح العسكري والكتائب العقائدية المسلحة، مثل كتائب البراء بن مالك، ترى في هذه الضغوط الدولية عامل تضييق زمني يفرض عليها الهروب إلى الأمام عسكرياً. ومن المتوقع أن تدفع هذه المعطيات نحو تصعيد وتيرة العمليات البرية ومحاولة حسم معارك استراتيجية في الميدان قبل أن تتحول التوصيات الدولية إلى آليات مراقبة صارمة أو حظر طيران قد يحد من قدرتها على الحركة، مستندة في ذلك إلى تعبئة قواعدها والمستنفرين بجرعات معنوية عالية تصوّر الموقف بأنه معركة كرامة وطنية لا تقبل التراجع مهما بلغت كلفتها القانونية.

 

​هذا الاندفاع العقائدي يضع القيادة الرسمية للجيش وسلطة بورتسودان في موقف حرج، يجعلها تتبنى استراتيجية المناورة الدبلوماسية والتسويف الإجرائي، فهي من جهة تنفي هذه المزاعم وتعلن استعدادها المبدئي للتعامل مع اللجان الفنية لكسب الوقت، ومن جهة أخرى تعيش هاجس السيناريو السوري الذي أدى سابقاً إلى تفكيك القدرات الاستراتيجية للنظام ونزع شرعيته الدولية. هذا التباين في المصالح قد يخلق على المدى المتوسط شرخاً صامتاً بين الحسابات السياسية لقيادة الجيش المحترفة وبين اندفاع الكتائب المسلحة التي لا تكترث كثيراً بالقانون الدولي.

 

​وبالنظر إلى القادم من الأيام وفحص مضامين التسريبات المنتشرة في الأروقة الإعلامية، فإن المسألة السودانية تتجه نحو تحولات جوهرية تبدأ بالتآكل التدريجي لشرعية سلطة بورتسودان وعزلتها السياسية والاقتصادية، وقد تصِل إلى فرض تسوية سياسية قسرية من الخارج. فالإرهاق الدولي من تطاول أمد الحرب، مقترناً بملف الأسلحة الكيماوية الحساس، قد يمنح القوى الكبرى الذريعة الأخلاقية والقانونية لتجاوز التعطيل في مجلس الأمن، والتحرك نحو فرض مناطق حظر طيران أو إحياء مقترحات نشر قوات مراقبة دولية لحماية المدنيين، مما يعني في نهاية المطاف استغلال هذا الملف كأداة ضغط قصوى لإجبار جنرالات بورتسودان على تقديم تنازلات كبرى تشمل إبعاد عناصر النظام السابق تماماً عن المشهد كشرط لأي تسوية مستقبلية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.