ثم شيءٌ من “الإبريز” يأتي؟!
الجميل الفاضل
ثم شيءٌ من “الإبريز” يأتي؟!
راق لي، في مستهل خواطري حول كتاب “الإبريز” لسيدي عبد العزيز الدباغ، والسودان غارق في أتون هذه الحرب الماكرة، أن أبتدر قولي بقول الحسن بن هانئ “أبي نواس”:
«غَيرَ أَنّي قائِلٌ ما أَتاني
مِن ظُنوني مُكَذِّبٌ لِلعِيانِ
آخِذٌ نَفسي بِتَأليفِ شَيءٍ
واحِدٍ في اللَفظِ شَتّى المَعاني
قائِمٌ في الوَهمِ حَتّى إِذا ما
رُمتُهُ رُمتُ مُعَمّى المَكانِ.»
وقد أتاني من أشتات ظنوني حول معمى هذا المكان الكثير.
ومن ذلك: ما حقيقة ارتباط هذا المكان الغامض بالسودان؟
ينقل هنا أحمد بن المبارك السجلماسي، في “الإبريز”، سؤاله لشيخه عبد العزيز الدباغ، قائلاً:
«وسألته رضي الله عنه: هل يكون الديوان في موضع آخر غير غار حراء؟
فقال رضي الله عنه: نعم، يكون في موضع آخر مرةً في العام لا غير، وهذا الموضع يقال له زاوية أسا ـ بفتح الهمزة والسين بعدها ألف ـ خارج أرض سوس، بينها وبين أرض غرب السودان، فيحضره أولياء السودان، ومنهم من لا يحضر الديوان إلا في تلك الليلة.»
ثم يسترسل الشيخ الدباغ في وصف ما يحدث في تلك اللحظة الفريدة التي ينعقد فيها ديوان “آسا” غربي السودان، وكيف تفيض البركات المادية والروحية تبعًا لذلك التجلي، بقوله:
«ويأذن الله تعالى، ويسوق أهل آفاق تلك الأراضي، ويجتمعون بالموضع المذكور قبل تلك الليلة بيوم أو بيومين، وبعدها كذلك، ويجتمع في ذلك السوق من التبر ما لا يُحصى.»
عمومًا، هي إجابة فتحت في ذهني نافذةً على سر الطاقة الفيزيائية والروحية لتلك الأرض.
إذ لما تعجب التلميذ السجلماسي، وسأل شيخه الدباغ عما إذا كان هناك أي موضع آخر على كوكب الأرض يمكن أن يجتمع فيه أقطاب هذا الديوان بهذه الكثافة النورانية، جاء جواب الشيخ عبد العزيز ليوضح سر هذه الحصرية بين حراء وآسا:
««فقلت: وهل ثمَّ جمعٌ آخر في غير هذين الموضعين؟
فقال: نعم، يجتمعون، ولكن لا يجتمع نحو العشرة منهم في موضع قط إلا في الموضعين السابقين؛ لأن الأرض لا تطيقهم.»
كما لفتني أيضًا أن الشيخ الدباغ قد قرن بين حضور أولياء السودان في “زاوية آسا” وبين ظهور “التبر”، في إشارة عجيبة تلمح إلى ثراء باطن هذه الأرض بالذهب، وثراء باطن الإنسان بالولاية وبمعدنه المصون في آنٍ واحد.
هذا التبر، أو الذهب، الذي كان في التاريخ سببًا لغزو محمد علي باشا للسودان، أصبح هو نفسه اليوم سببًا وراء قصف الطيران المصري عمالًا بسطاء يبحثون عن رزق يومهم بين تجاعيد هذه الأرض المباركة.
بيد أن قول الدباغ: «لأن الأرض لا تطيقهم»، يُظهر بوضوح أن هؤلاء الأولياء قد أضحوا هم أنفسهم قنواتٍ لتنزل الأنوار الجليلة، وأن اجتماعهم في مكان واحد قد يُحدث ثقلًا ملكوتيًا لا تتحمله بنية هذه الأرض إلا في نقاط ارتكاز معينة، صفا أديمها وطهرت مادتها، وهو ما لم يثبته الدباغ على وجه الأرض إلا لغار حراء، ولزاوية آسا الحاضنة لأولياء السودان وعارفيه.
وللحقيقة، فإن الطاقة التي أهلت أرض “آسا” لتحمل ثقل الديوان الأكبر هي طاقة صمت المادة العذراء، الخالية من كل دنس.
المهم أن ثقل تجلي مثل هذا الديوان لا تطيقه المدن الكبرى، ولا الأمصار المعمورة بضجيج البشر؛ لأن الأرض هناك مجهدة، ومحتقنة بأمواج المظالم، والمكر البشري، والشهوات، والتصنع.
فضلًا عن أن أرض آسا تُعد أرضًا طاهرةً عذراء، لم تُدنَّس بمظالم الملوك، ولا بفتن الأسواق والسياسة، لينشأ فيها فراغ مادي خالٍ من أي صخب بشري، يجعل أديمها وترابها في حالة استعدادٍ وتلقٍّ فطري خالص، يشبه الفراغ الروحي الذي كان عليه غار حراء قبل نزول الوحي.
حيث يجري هذا التناوب المدهش عامًا بعد عام بين غار حراء، الذي يمثل مركز طاقة الجلال والنبوة، التي اهتز لها جبل النور، وأرض “آسا” بالسودان، مصدر طاقة الجمال والستر والمحو، وهي طاقة تمتص الأنوار وتذيبها في بحور السكينة، بما يسمح لأقطاب هذا الديوان بالتجرد من ثقل الهياكل البشرية، لتجعلهم في حالة من المحو والتلاشي.
إذ إن من خواص هذه الأرض سترَ وامتصاصَ أنوار مثل هذه الفيوضات العالية، توطئةً لإعادة بثها في بواطن أرض إقليم السودان بركةً وسكينةً، في أبدع أنماط وأشكال التفريغ الأرضي.
وهنا يقول الشيخ الدباغ عن هذا الموضع:
«يحضره أولياء السودان، ومنهم من لا يحضر الديوان إلا في تلك الليلة.»
حيث تمتاز هذه البقعة بـ طاقة التوافق مع الفطرة، ومع الليونة والسلاسة، التي يتحلى بها أولياء السودان، الذين وصفهم الدباغ بأنهم مستورون بالبساطة، وبالبعد عن التصنع والتكلف، وأن علومهم لدنيةٌ وهبية، نابعة من صفاء الباطن، لا من تدبيج العبارات والأقوال.
ثم، وبسبب مسامية تلك الأرض المتروحنة، تتحول ذرات التراب، بأثر كيمياء الأنوار، إلى ذهب، وتتحول قلوب أهل السودان، من خلال هذه المحن المتوالية، إلى معدن مصون عن الأغيار.