جمعة نيويورك: أو يوم علقَّ “بولس” الجرسَ على رقبة القط؟!
جمعة نيويورك: أو يوم علقَّ “بولس” الجرسَ على رقبة القط؟!
الجميل الفاضل
ليس التاريخُ دائماً ما يكتبه المنتصرون، لكنه كثيراً ما تكتبه اللحظات التي تنزع فيها الأقنعة عن الوجوه، فتغدو الكلماتُ أشدَّ مضاءً من البنادق، والعقوباتُ أبلغَ أثراً من المدافع، والإشاراتُ الدبلوماسيةُ أعمقَ من هدير الطائرات.
وهكذا لم تكن جمعة نيويورك أمس يوماً آخر في روزنامة الأمم المتحدة، لكنها كانت ساعةً انكسر فيها ميزانٌ قديم، وبدأ ميزانٌ آخر يتشكل ببطءٍ فوق خرائط السودان.
كان العالم، وهو يجلس تحت قبة مجلس الأمن، لا يناقش حينها هدنةً فقط، وإنما كان يعيد تعريف السؤال نفسه: من يملك شرعية الغد؟
إذ منذ تلك اللحظة، بدا وكأن أصابع السياسة الدولية قد أمسكت بالجرس قبل أن تعلقه على رقبة القط، الذي ظل يعبر طويلاً في دهاليز الممرات المظلمة، دون أن يجرؤ أحد على تسميته باسمه.
فمنذ أن فقدت بورتسودان احتكار الرواية في السياسة، لم تعد الخسارة أن تُهزم في الميدان، إنما أن تُنتزع منها رواية هذا الميدان.
ولذلك لم يكن حديث المبعوث الأمريكي مسعد بولس عن رفض بورتسودان لآخر نسخة من مقترحات الهدنة مجرد توصيفٍ دبلوماسي عادي، إنما كان هو انتقال من لغة الوسيط إلى لغة القاضي، ومن خطاب المناشدة إلى خطاب تحميل المسؤولية.
لقد انفرط العقد الذي طالما منح سلطة بورتسودان امتياز الحديث باسم الدولة في الجمعية العامة، وفي مجلس الأمن.
في وقت، لم تعد الحرب تُقرأ باعتبارها مواجهةً بين دولةٍ وتمرد، وإنما بين قوتين تتحملان، في نظر المجتمع الدولي، وزر استمرار هذا النزيف معاً.
علي أية حال، عندما تتساوى الكفتان في ميزان المسؤولية، تبدأ خرائط الشرعية القديمة بالتصدع، قبل أن تتصدع، ربما حتي الجغرافيا نفسها.
وللحقيقة لم تكن العقوبات الأمريكية غضباً لحظياً عابراً، بل إنها قد جاءت كمبضع جراحٍ يعرف تماما موضع العصب.
تارةً يتجه بمشرطه إلى العقل العقائدي الذي يمد الحرب بأسبابها الفكرية، وتارةً إلى المصانع التي تمد أيديها بزبر الحديد وشهب النار، وتارةً أخري إلى الشرايين المالية التي تضخ الدم في جسد الاقتصاد.
حيث لم تكن رسالة عقوبات الأمس، موجهة إلى أفرادٍ بقدر ما كانت إلى منظومةٍ متكاملة تقول لها واشنطن:
“إن الحرب التي تُدار بالعقيدة، والذهب، والمصنع، والمصرف، ستُحاصر من الجهات الأربع.”
وهكذا لم تعد المعركة تدور فوق المتاريس وحدها، بعد أن انتقلت إلى دفاتر الحسابات، وشبكات التحاويل، وممرات التجارة، التي تصنع القوة التي ترجح الكلمة في ساحات القتال.
وفي الغرب، كانت مدينةٌ أخرى تكتب سيرةً مختلفة، إذ بينما كانت الدوائر تضيق شرقاً، كانت نيالا تمشي بخطى مدهشة لا يشبه صخبها ضجيج البنادق، إنما تمضي بصمت البنائين الذين يرفعون حجراً فوق حجر.
فامتحانات الشهادة السودانية التي جرت بمدن دارفور وكردفان بعد طول غياب، ليست محض أوراق مدرسية، إنما هي إعلانٌ مُبكر عن سيادةٍ على مستقبل سيأتي.
وبنوك المحافظ “جنقول” المنتظرة، ليست مجرد خزائن نقود، إنما هي اعترافٌ بأن زمن اقتصادي مختلف قد بدأ يدق ساعته بتوقيت “غرب الجبيل”.
أما القضاء، والنيابات، والوزارات، فهي أيضا ليست مجرد لافتاتٍ إدارية، إنما هي في الواقع محاولةٌ جادة لتحويل القوة المسلحة إلى صورةٍ مؤسساتية قابلة للتعامل مع العالم.
وكأن الرسالة تقول: إن الدول لا تولد دائماً بإعلان استقلالها، لكنها قد تولد أولاً من قدرتها على إدارة وتنظيم حياة الناس لملأ الفراغ في رقعة ما.
فالأرض في السياسة الدولية، هي النص الذي يقرأه عالم لا يعشق الشعارات.
وبالطبع حيثما استقرت الثروة في أي مكان، استقر اهتمام الدول بذلك المكان.
هناك في ديار السيطرة، حيث يمتد حزام الصمغ العربي، وتنبض مناجم الذهب، وتنطق بأرقامها آبار النفط، وتتحرك ملايين الرؤوس من الثروة الحيوانية، يصبح التراب نفسه خطاباً سياسياً، وتتحول الجغرافيا إلى ورقة تفاوض لا تقل أثراً عن قرارات مجلس الأمن نفسه.
المهم فالعالم لا ينظر إلى الأرض بعيون الشعراء، إنما بعيون سلاسل الإمداد، وأمن الغذاء، وموازين الطاقة، وأسواق المعادن.
فمن يملك مفاتيح هذه الشبكات، يملك في أغلب الأحيان قدرةً أكبر على فرض وجوده في معادلات الغد.
إذ بين ميناءٍ مثير للقلق، وسهولٍ تبحث عن نافذة، يقف السودان اليوم على عتبة سؤالٍ لا يجيب عنه الرصاص.
سؤال: هل يتجه هذا البلد نحو جغرافيتين متوازيتين، لكل واحدةٍ مؤسساتها، واقتصادها، وتحالفاتها، ورؤيتها للعالم؟
أم يجد، قبل اكتمال هذا التشظي، سبيلاً إلى صيغةٍ تحفظ وحدة أراضيه، وإن اختلفت عليها خرائط السياسة؟
إن ما جرى في نيويورك أمس، لا يمكن اختزاله في جلسةٍ أممية، ولا في عقوباتٍ جديدة، لكن هو إشارةٌ إلى أن المجتمع الدولي بدأ يعيد ترتيب أوراقه وفق معايير الفاعلية علي الأرض، قياساً علي قدرة كل طرف على حفظ الموارد، وتأمين السكان، وإدارة شؤون الحياة اليومية.
عموما فإن الخرائط لا تبدأ بخطوط الحبر، وإنما تبدأ من ظلالها.
وما رأيناه في جمعة نيويورك قد يكون، في نظر كثيرين، مجرد حدثٍ دبلوماسي، لكنه بمنطق التحولات الكبرى يشبه أول خيطٍ يرسم حدود الصورة القادمة.
فالعالم بطبعه لا ينتظر من يرفع الرايات، لكنه يرقب عن كثب حركة من يستطع إدارة الواقع.
وفي زمن مثل هذه التحولات الكبري، قد لا يكون السؤال: من يملك السلاح؟
بل: من يملك القدرة على أن يجعل الأرض تستيقظ كل صباح، فتفتح مدارسها، وتعمل مصارفها، وتتحرك قوافلها، ويطمئن الناس فيها إلى أن للحياة نظاماً يتجاوز هدير البنادق؟
من هنا يبدأ تاريخ الشرعية الجديدة، ومن هنا تُكتب أيضاً الفصول الأخيرة من كتاب السودان الذي لم يُغلق بعد.