النخب أقعدت السودان.. ‏تشريح مرض مزمن يمتد من الاستقلال إلى الحرب

عبد المنعم هلال

مقال تحليلي استناداً إلى بعض المصادر
‏حين تصبح النخبة عائقاً لا رافعة
‏ـ لا يحتاج المرء إلى كثير من الاجتهاد ليرى ما آل إليه السودان دولة واسعة الموارد غنية التنوع باتت رمزاً للانهيار وصورة من أبشع صور الفشل في إدارة الدولة الحديثة غير أن المفارقة تكمن في أن هذا الانهيار لم يأتِ من غياب الكفاءة البشرية ولا من شُح الثروات بل جاء في معظمه من النخب ذاتها التي كان المفترض أن تكون الحارسة لهذه الدولة والبانية لمستقبلها.
‏منذ لحظة الاستقلال عام 1956 حتى اليوم يمكن القول دون مبالغة إن النخبة السودانية بأطيافها السياسية والعسكرية والدينية والقبلية هي المتهم الأول في قضية الإخفاق الكبير الذي أوصل البلاد إلى حروب لا تنتهي وتشريد لا يتوقف وفقر يتعمق رغم ما تحت الأرض وما فوقها من خيرات.
‏أولاً: جذور العطب — من أين أتت نخبة الفشل ..؟
‏تعود جذور عنف النخبة السودانية إلى العهد التركي-المصري بين عامَي 1821 و1885 الذي منحها امتيازات مادية وسلطوية لتحقيق أهداف إمبريالية باستخدام عنف الدولة المحتكر ثم جاءت الدولة المهدية بنخبة دينية/سياسية تمحورت حول الإمام المهدي. وهكذا وُلدت السياسة السودانية مشوهة منذ البداية فالنخبة لم تتشكل عبر تعاقد اجتماعي، بل عبر الغنيمة والامتياز.
‏حين جاء الاستقلال عام 1956 ورث الحكام الجدد بنية سلطوية إقصائية دون أن يمتلكوا مشروعاً وطنياً حقيقياً لتجاوزها ويرى المفكر السوداني منصور خالد في كتابه الشهير (النخبة السودانية وإدمان الفشل) أن هذه النخبة لم تستطع الانتقال من مرحلة النضال ضد الاستعمار إلى مرحلة بناء الدولة فظلت أسيرة عقلية المعارضة حتى وهي في السلطة.
‏ثانياً: فشل التجربة البرلمانية — الديمقراطية بلا ديمقراطيين
‏كشف المسار السياسي المبكر بعد الاستقلال عن خلل بنيوي عميق إذ فشلت التجربة البرلمانية الأولى في معالجة القضايا الجوهرية وأُجلت المسألة الدستورية والدينية بدل مواجهتها واستمر التفاوت التنموي بين الأقاليم دون معالجة بينما تحول الصراع السياسي إلى تنافس على المناصب والولاءات لا على البرامج والرؤى.
‏فشل السودانيون في تأسيس دولة حقيقية لغلبة الطائفية والحزبية على الهم الوطني فالانتفاضات والثورات الشعبية حرصت فقط على تحسين أوضاع المرحلة دون تغيير البنية وأنتجت حكومات ديمقراطية واهنة قصيرة الأجل إذ فاز الحزبان الكبيران لا لتماشي أجنداتهما مع الأهداف العليا للبلاد بل لعدم خضوعهما لأسس العملية الديمقراطية ذاتها.
‏فقدت الأحزاب السياسية شرعيتها المؤسسية وعجزت عن صوغ برامج وطنية تقدم المصلحة العامة على المصلحة الحزبية الضيقة مما جعل عجز الحكومات البرلمانية المتعاقبة محفزاً لتولي الجيش السلطة بدعم من بعض القوى المدنية.
‏ثالثاً: العسكر والنخبة المدنية — شراكة الفشل
‏المفارقة الكبرى في التاريخ السوداني أن الانقلابات العسكرية لم تكن دائماً نتاج طموح عسكري خالص بل كانت في أحيان كثيرة دعوة مدنية وترتيباً من النخبة ذاتها.
‏ما يُعرف اليوم بـ(مؤسسة الجيش السوداني) ومعها الميليشيات المتناسلة والتنظيمات المسلحة المختلفة ما هي إلا إفرازات مباشرة لتاريخ طويل من التواطؤ والتوظيف السياسي للعسكر مارسته القوى التقليدية منذ لحظة الاستقلال ولم يكن الجيش في يوم من الأيام هو المبادر الأول بالاستيلاء على السلطة بل كان دوماً أداة في يد نخبة مدنية إما عاجزة أو راغبة في الحكم دون شرعية شعبية.
‏من هنا جاءت سلسلة الانقلابات العسكرية التي هزت السودان مراراً إذ وجد الجيش نفسه يتدخل في فراغ سياسي صنعته الأحزاب نفسها وهكذا دارت عجلة الفشل النخبة المدنية تُفشل الديمقراطية فيتدخل العسكر، فتعود النخبة للمعارضة ثم تعود للسلطة عبر توافق مع العسكر ثم تفشل من جديد.
‏رابعاً: التهميش المتعمد — حين تصبح الأطراف وقوداً
‏استُخدمت الآلة العسكرية بروافدها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية كأدوات للقهر والإذلال ليس فقط لإخماد الثورات بل أيضاً لتثبيت نظام استبدادي يغذي النخبة المركزية على حساب الأغلبية وهو ما لا يعكس فقط الفشل في إدارة التنوع والثروات في السودان بل يشير أيضاً إلى استمرار نهج الإقصاء والتهميش الذي عانت منه الأقاليم لعقود.
‏منذ الاستقلال استخدمت النخب الحاكمة الدين كأداة للسيطرة السياسية والاقتصادية مما أدى إلى استبعاد شرائح واسعة من المواطنين من مؤسسات الدولة. فالعلاقة بين الدين والدولة في السودان ليست مجرد مسألة أيديولوجية بل هي جزء من نظام امتيازات يسمح لنخب الشمال والوسط النيلي بالاستمرار في السيطرة على السلطة والثروة.
‏مشكلة جنوب السودان كانت في جوهرها مشكلة النخبة الحاكمة في الخرطوم إذ تتعلق بإدارة الهويات والتباين الثقافي والمظالم التاريخية ومشكلة توازن السلطة والثروة وقد تراكمت أزمة الجنوب حين انتهج الحكام سياسات التعريب والأسلمة ثم ظهرت الحلول العسكرية والجهادية حتى تسبب المشروع الإسلامي في نهاية المطاف في فصل جنوب السودان وهي مسؤولية تاريخية في جبين النخبة الحاكمة.
‏خامساً: الإسلاميون — ذروة الإخفاق
‏بلغ مسار الفشل ذروته خلال العقود التي حكمت فيها الحركة الإسلامية إذ لم تعد الدولة مجرد إطار مختل بل تحولت إلى أداة قمع وهيمنة شاملة جرى تفكيك المؤسسات لصالح شبكات الولاء الأيديولوجي وتسييس الخدمة المدنية والأجهزة النظامية وخصخصة الدولة لمصلحة نخبة ضيقة وتخريب البنى الاجتماعية دون بناء بدائل وطنية جامعة ولم يعد الهدف إدارة الدولة بل السيطرة عليها وإعادة تشكيل المجتمع وفق تصور أيديولوجي مغلق حتى لو كان الثمن تفكيك الدولة ذاتها.
‏ثلاثة عقود من حكم الإنقاذ تركت إرثاً مركباً من المؤسسات المخترقة والاقتصاد المسيس وأجهزة الأمن المتضخمة والجيوش الموازية وهو إرث لا يمكن اختزاله في اسم البشير وحده بل هو إنتاج جماعي لنخبة قررت أن تحكم إلى الأبد حتى لو احترق البلد.
‏سادساً: ثورة 2019 — فرصة سرقتها النخب
‏جاءت ثورة ديسمبر 2018-2019 بذخيرة شعبية هائلة لكن النخب لم تتأخر في اختطافها.
‏حين أنجزت الجماهير ثورتها السلمية اختطفتها ذات المجموعات الطائفية والنخبوية ثم عرضتها للمساومة بين أيدي عسكر نفس النظام الذي اشتعلت الثورة من أجل إسقاطه فالداء قديم والدواء لم يتطور ليكون مضاداً للأزمة المتراكمة عبر الحقب والسنين.
‏الدمج الأمني لم يكتمل، وبقيت الحركات المسلحة محتفظة بتشكيلاتها وأسلحتها وجغرافيتها في انتظار ترتيبات لم تنجز والتنمية الإقليمية بقيت حبراً على ورق في ظل أزمة اقتصادية خانقة وتقاسم السلطة تحول إلى ورقة توظيف سياسي أكثر منه بناءً مؤسسياً فعلياً مما أفقد اتفاق جوبا زخمه التوحيدي وأبقاه أسيراً لحسابات اللحظة لا لرؤية استراتيجية بعيدة المدى.
‏سابعاً: حرب أبريل 2023 — الثمن الفادح لعقود من الإخفاق
‏تشير الحرب الراهنة إلى مسؤولية النخب السياسية والعسكرية التي لم تنجح في صياغة عقد اجتماعي جديد بعد سقوط نظام البشير وتكشف أن الأزمة تعود في جوهرها إلى غياب المشروع القومي الجامع ووجود قوى موازية للدولة تستثمر في الهشاشة السياسية لخدمة مصالحها ما جعل الدولة السودانية منقسمة على نفسها وعاجزة عن امتلاك قرارها السيادي والحرب الراهنة ليست مجرد معركة نفوذ بل انفجار متأخر لاختلال ترتيب السلطة وتهميش الأطراف وعسكرة المجال السياسي.
‏الحرب الدائرة كشفت هشاشة الدولة وعجز النخب وفشل المشروع الوطني في إنتاج صيغة جامعة لإدارة التنوع والصراع.
‏التاريخ الحديث في المنطقة والعالم يؤكد أن التسويات التي تقوم على تجاوز العدالة وتدوير النخب المسلحة ودمجها في ترتيبات سياسية هشة سرعان ما تنهار لتدخل البلاد في دورات جديدة من الصراع أكثر عنفاً وتعقيداً.
‏ثامناً: تشريح الداء — لماذا تدمن النخبة الفشل ..؟
‏ثمة أسباب بنيوية تجعل النخبة السودانية تعيد إنتاج الفشل جيلاً بعد جيل:
‏أولاً — الولاء الضيق: الحزب أو القبيلة أو الطائفة تأتي دائماً قبل الوطن والسلطة غنيمة توزع على الموالين لا خدمة تُقدم للمواطنين.
‏ثانياً — غياب المؤسسية: عجزت النخبة عن إدارة التنوع وعن بناء دولة حديثة تقوم على العقل المؤسسي لا على الولاءات الضيقة.
‏ثالثاً — تسليع الأزمات: الأزمة في السودان ليست بلاءً نازلاً بل هي مُصنعة النخب تستثمر في الهشاشة وتعيش على الصراع لأن الاستقرار يعني المحاسبة.
‏رابعاً — إقصاء الأطراف: السودان لا يُحكم من (الخرطوم للخرطوم) لكن النخبة المركزية رفضت دائماً الاعتراف بأن الهامش شريك حقيقي.
‏خامساً — استخدام الدين: الإسلام في السودان حوله السياسيون من قيمة جامعة إلى سلاح إقصاء يُستخدم لشرعنة الحاكم وتكفير المعارض.
‏تاسعاً: هل من خروج ..؟
‏الكتاب لا يقدم وصفة جاهزة للحل لكنه يضع أمام القارئ مرآة تعكس بوضوح أخطاء الماضي داعياً إلى مراجعة شجاعة للمسار السياسي كله إذ يظل الكتاب عملاً نقدياً جريئاً يذكر السودانيين بأن مستقبلهم لن يتغير ما لم تتغير النخبة التي تدير شؤون دولتهم وما لم تتحرر من ذلك الإدمان القديم على الفشل.
‏الأزمة السودانية ليست أزمة بنادق فحسب بل أزمة مشروع دولة وهوية يتطلب حلها إرادة وطنية ودوراً دولياً داعماً لا متدخلاً ولن يخرج السودان من أزمته إلا إذا غيّر قواعد اللعبة لا اللاعبين فقط.
‏يتطلب التغلب على هذه الأزمات إعادة النظر في كيفية توزيع السلطة والثروة وضمان مشاركة جميع المكونات السودانية في العملية السياسية.
‏خاتمة: الاعتراف أول الطريق
‏استعادة معنى الاستقلال اليوم تقتضي شجاعة الاعتراف بفشل النخب ليس لأن الشعب السوداني لم ينجب كفاءات بل لأن هذه الكفاءات إما هُمشت وإما ابتلعها النظام وحولها إلى أدواته السودان لم يُعاقب بغياب العقول بل عُوقب بحضور النخب الخاطئة في المكان الخاطئ وفي التوقيت الخاطئ.
‏إن لم يقف السودانيون اليوم أمام هذه الحقيقة بشجاعة ويطرحوا السؤال الجوهري (من بنى هذا الخراب ..؟) فإن أي سلام قادم لن يكون سوى هدنة تسبق حرباً أكثر دماراً وأي ديمقراطية مقبلة لن تكون سوى واجهة تعيد إنتاج نفس وجوه الفشل بعناوين مختلفة.
‏السودان لا يحتاج إلى نخب جديدة فحسب بل يحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يؤسس على أن السلطة أمانة لا غنيمة وأن الوطن للجميع لا للأقوى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.