ما هى الفلسفة؟: بين عبد الوهاب الأفندىّ وندى القلعة

بدون زعل

بدون زعل

 

ما هى الفلسفة؟:

بين عبد الوهاب الأفندىّ وندى القلعة

 

عبد الحفيظ مريود

 

كانتْ سيّارةٌ فارهةٌ تحاولُ الخروج من الخرطوم، شمالاً. حدث ذلك بعد شهرين من إندلاع حرب 15 أبريل 2023م. السيّارةُ كانتْ تُقلُّ أسرةٌ من مدينة بربر، فى نهر النّيل. ثمّة امرأتان وثلاث فتيات، يقودهنَّ قريبٌ لهنَّ. كانتِ الكثير من الأسر قد تأخّرتْ فى مغادرة الخرطوم، أملاً، طمعاً، فى أنَّ المعركة لن تأخذ أكثر من ثلاثة أسابيع. كانتِ النّساءُ صفراواتٍ، بربريّاتٍ، مبهكناتٍ، يقطرنَ أنوثةً مترفة.

فى واحدٍ من ارتكازات الدّعم السّريع تمَّ أيقافُ السيّارة للتحقّق. للتفتيش، لأىّ غرضٍ كان، فذلك لا يهمُّ. بعضُ جنود الارتكاز من الأشاوس، الذين لا يمكنكَ الجزم من أىّ فلاةٍ من فلوات الغرب جاءوا، والذين – غالباً – لم يصادفوا “حوريّاتٍ” على الأرض، قاموا بإنزال النّساء عن سيارتهنّ الفارهة، وفتّشوهنّ.

شايف كيف؟

التفتيشُ ربّما تجاوز ما هو ضرورىّ. ربّما امتدّتْ أيدى الدّعّامة فجسّتْ أماكن محرّمة. ذلك واردٌ جدّاً.

صدفَ أنْ كانتِ النسوةُ فى السيّارة الفارهة قريبات للدكتور عبد الوهاب الأفندىّ، الأكاديمىّ المرموق. فاستاءَ – بالطّبع – وطفق يطالبُ بالقضاء على “التمرّد”، بل القضاء على الدّعّامة فرداً فرداً.

حين جرى تصنيف جماعة الإخوان المسلمين فى السُّودان، جماعةً إرهابيّة من قبل الأمريكان، هذا العام، كتبَ الأفندىّ بما يفيد بأنَّ تلك ليست قضيّة كبرى، فالقضية الجوهريّة هى القضاء على المغتصبين، الشفشافة ومنتهكى الأعراض. فى إصرارٍ مشابهٍ لما ظلَّ يقومُ به عبد الله على إبراهيم ومحمّد جلال هاشم، ينتهى ب “القضاء على آخر جنجويدىّ”.

والأفندىّ الحاصل على شهادة الفلسفة، بمرتبة الشّرف من جامعة الخرطوم، والحاصل على ماجستير فى الفلسفة من بريطانيا، ثمَّ على دكتوراة فى العلوم السياسيّة. فى النّصف الأوّل من تسعينيّات القرن الماضى كان مستشاراً إعلاميّاً لسفارة السُّودان فى لندن. لكنّه لم يلبثْ أنْ تقدّم باستقالته، ومضى فى حال سبيله، متأكدماً، يبحثُ – بعقل مشرّبٍ بالفلسفة – عن ذلك ” الشيئ البغيض الذى أتى به هيجل”، كما يقولُ إيمانويل كَانتْ.

كتب الأفندىّ كتاباً صدر فى تسعينيّات القرن الماضى، أثار ضجّةً كبرى، وتمَّ منعه فى السُّودان من قبل حكومة الإنقاذ، عنوانه “الثورة والإصلاح السياسىّ فى السُّودان”. جوهر الكتاب هو أنّه لا يمكنُ إحداث إصلاح سياسىّ فى السُّودان تحت ظلّ القبضة الأمنيّة. ربّما هو خلاصات العقل الذى أزاح عن نفسه حُجُب الأيدلوجيا والانتماء التنظيمىّ الضيّق، وتحرّرَ، طلباً للحق.

شايف كيف؟

“القبضة الأمنيّة” لا تتحكّم إلّا فى ظل فضاء أمنىّ متكامل. فضاء يلوّثُ كلّ شيئ بهواجسه. والرؤية الأمنيّة – فى ذاتها – نتاجٌ لنُظم إنتاج المعرفة العسكريّة. بمعنى أنَّ العقل الذى يعالجُ القضايا هو عقل عسكرىّ بالدّرجة الأولى. لا يسعى للوصول إلى أفق. لا يعالجُ إلّا درءً للمخاطر. المعرفة ليست هدفاً، ههنا.

على هذا الأساس، لا يمكنُ للأفندىّ – كفيلسوف – أنْ يفكّر فى طرائق التخلّص من الشّر كما تفعل ندى القلعة. وذلك بالقضاء على التخلّص من “حامل الشّر”. القضاء على آخر جنجويدىّ لا يعنى تخليص العالم من شروره. ذلك أنَّ مصدر الشّرور لا يزالُ موجوداً. إلّا أذا كنتَ تعتقدُ – وهو أشنع – عندى – من فقه بُرْد – إنّ الجنجويد هم مصدرُ الشّر.

حسناً..

كيف عاد الأفندىّ لتبنّى الرؤية الأمنيّة العسكريّة، بعد ثلاثين عاماً من النّضج؟

هل يمكنُ أنْ يكون السببُ هو “جسُّ” أشاوس خشنين، شعث، غُبر، لقريباته “الملظلظات”؟

لا يطرحُ الأفندىّ سؤالاً : كيف وصلنا إلى “مرحلة الجنجويد”؟

لكنّه يطرحُ رؤيةً متطرّفة عن كيف يمكننا التخلّص منهم.

” ببطء..ببطء، تصبحُ الفلسفةُ نوعاً من الجنون. إنّها تقودُكَ إلى العُصاب”. هكذا قال أوشو.

العقل والقبضة الأمنيّة التى وضعهما الأفندى عائقاً أمام الإصلاح السياسىّ فى السُّودان، تعسينيّات القرن الماضى، وبسببهما قدّم استقالته من سفارة السُّودان بلندن، هما السببُ فى الوضع الماثل اليوم. فكيف – إذن – يكونان هما المخرجُ منه؟ “داونى بالتى كانت هى الدّاء”؟

ومطّرحاً – كمدير لمركز رفيع للدراسات فى قطر – جانباً، الجذور الحقيقيّة التى تقفُ وراء إنتاج أشاوس خشنين “يجسّون” قريباته البربريّات، يحاولُ الأفندىّ أنْ يعالج تعقيدات الاجتماع، التخلّف البنيوىّ، خرائط إنتشار التعليم فى السُّودان، أنماط المعيشة، التخبّط النّخبوىّ السياسىّ، التنمية الريفيّة، كلَّ شيئ، بإطلاق يد الجيش للقضاء “أصل الشّرور فى العالم”، نافخاً نيران الحرب.

شايف كيف؟

هل يحتاجُ منهج الأفندى الفلسفىّ والسياسىّ إلى تبسيط؟

لنجرّب ذلك.

هناك ظاهرةٌ مستشريةٌ فى المجتمع السُّودانىّ: صارَ الكثيرون حراميّة. انتشرتْ تعسة طويلة بشكل أزعج سكينته الأكاديميّة. الحلُّ بسيط جدّاً: تقوم قوّات الشّرطة، جهاز الأمن، بالقضاء على الحرامية، ونرتاح.

هل يتقلقلُ جيل دلوز، ميشيل فوكو، فى قبريهما؟

لا يجبُ ذكر أسماء الفلاسفة الكبار جدّاً، ههنا. هُسسسسس.

شايف كيف؟

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.