تفكيك شفرة نظرية المؤامرة.. حقائق تغيب عن السودانيين المؤمنين بمخطط تقسيم السودان..

تفكيك شفرة نظرية المؤامرة.

حقائق تغيب عن السودانيين المؤمنين بمخطط تقسيم السودان..

 

أحمد عثمان محمد المبارك

 

لقد أفرطت التيارات الإسلامية في السودان، طوال عقود حكمها، في استخدام نظرية المؤامرة وتصديرها كشماعة جاهزة لتعليق كافة الأزمات الداخلية عليها، بدءاً من الانهيار الاقتصادي وصولاً إلى الحروب الأهلية. هذا الضخ الإعلامي المكثف والمنظم قاد قطاعات واسعاً من السودانيين إلى الإيمان بهذه النظرية دون وعي أو تمحيص، وتحديداً الفكرة السائدة بأن واشنطن تضع في مقدمة مخططاتها السرية تفتيت بلادهم وتقسيمها إلى دويلات صغيرة تفتقر للسيادة والأمن.

وسأحاول في هذه السطور وضع السودانيين في الصورة التي غبّشت وعيهم، وتقديم إجابات موضوعية على هذه التساؤلات المشروعة، متجاوزاً العواطف والشعارات السياسية المعتادة، لنغوص معاً في العقيدة البراغماتية التي تحرك صانع القرار في البيت الأبيض. وقبل أن نفكك الأهداف الراهنة، لا بد أولاً من مواجهة السؤال التاريخي الكبير الذي يغذي نظرية المؤامرة في الوجدان السوداني وهو، هل كانت أمريكا حقاً وراء انفصال جنوب السودان عام 2011، أم أن هذا الانفصال كان ثمرة ناضجة لسياسات الإسلاميين الذين حكموا البلاد لثلاثة عقود؟

 

  1. انفصال الجنوب

الحقيقة التاريخية تؤكد أن الولايات المتحدة لم تكن هي من ابتكرت فكرة الانفصال، بل إن بذور التفرقة تم غرسها منذ فجر الاستقلال وفشل النخب السياسية المتعاقبة في بناء دولة المواطنة. ومع صعود الجبهة الإسلامية القومية إلى السلطة عبر انقلاب 1989، تحولت الحرب الأهلية في الجنوب من نزاع سياسي وتنموي إلى جهاد ديني معلن، وهو ما عمّق الجراح النفسية والاجتماعية بين أبناء الوطن الواحد. لقد عبّرت قيادات بارزة في نظام الإسلاميين آنذاك، علناً وضمنياً، عن رغبتها في التخلص من عبء الجنوب ذي الغالبية غير المسلمة، ظناً منهم أن فصل الجنوب سيقودهم إلى إقامة الدولة الإسلامية النقية التي يطمحون إليها في الشمال (بلا جغمسة على حد تعبير الرئيس المخلوع عمر البشير). إذن فأن سياسات النظام واستهدافه للهوية الثقافية والاجتماعية للجنوبيين هي التي جعلت من خيار الوحدة خياراً طارداً ومستحيلاً. أما الدور الأمريكي، فقد جاء متأخراً ليلتقط هذه الرغبة المتبادلة، حيث وظفت واشنطن ثقلها الدبلوماسي عبر اتفاقية نيفاشا عام 2005 لترتيب حق تقرير المصير، مدفوعة بضغط من جماعات المصالح الدينية والسياسية داخل أمريكا، لكنها في الأصل لم تفعل أكثر من منح شهادة الوفاة الرسمية لوحدة السودان التي اغتالتها سياسات الإسلاميين في الخرطوم.

 

2.الولايات المتحدة صادقة في دعمها للحكم المدني الديمقراطي؟.

يرى بعض السودانيين تناقض صارخ في سلوك واشنطن، يدفعهم للتساؤل حول، كيف للولايات المتحدة أن تتشدد بشكل قاطع في استبعاد العسكريين من الحكم في السودان وتصر على دعم التحول المدني الديمقراطي، في حين أنها تبدو مستعدة دائماً لتقديم الدعم المالي والعسكري والغطاء السياسي للحكم العسكري في الجارة الشمالية مصر؟ هذه الازدواجية الفجة في المعايير تسقط فوراً عندما ندرك أن السياسة الأمريكية لا تُدار بالمبادئ الأخلاقية بل بتعريف المصلحة وخصوصية الدولة. ففي مصر ترى واشنطن أن المؤسسة العسكرية هي صمام الأمان الوحيد لمعادلة إقليمية بالغة الحساسية، تشمل الحفاظ الصارم على اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل، وتأمين الممر الملاحي العالمي في قناة السويس، ومكافحة الإرهـ ـاب في سيناء. أي اهتزاز في استقرار مصر يعني كابوساً جيوسياسياً يهدد الشرق الأوسط بأكمله، لذا تفضل أمريكا الاستقرار الديكتاتوري المضمون على مخاطر الديمقراطية. أما في السودان، فإن الحسابات تختلف تماماً؛ فواشنطن ترى في تاريخ الحكم العسكري السوداني مصدراً مستمراً للحـ روب الأهلية وعدم الاستقرار، وتتخوف بشكل خاص من أن استمرار الحكم العسكري المطلق سيعيد تمكين الإسلاميين وعناصر نظام البشير من مفاصل الدولة مرة أخرى، وهو خط أحمر ثابت للسياسة الأمريكية. بالإضافة إلى ذلك، فإن الطبيعة الحالية للمكون العسكري السوداني المتعدد والمنقسم تجعل من فكرة اعتماده كضامن للاستقرار فكرة فاشلة من المنظور الأمريكي، وعليه، تجد واشنطن أن دعم حكومة مدنية ديمقراطية في الخرطوم هو الطريقة الوحيدة لبناء استقرار مستدام يمنع تحول السودان إلى دولة فاشلة وملاذ للجماعات المتطرفة أو ساحة مفتوحة للنفوذ الروسي والصيني على شواطئ البحر الأحمر.

 

  1. مشروع قانون سلام السودان الامريكي:

وفي سياق هذه الرغبة الأمريكية لفرض رؤيتها واستعادة زمام المبادرة، يأتي مشروع قانون سلام السودان الذي طُرح مؤخراً في أروقة الكونغرس الأمريكي كأداة ضغط استراتيجية حاسمة. يبتعد هذا المشروع عن لغة المناشدات الدبلوماسية الناعمة ليتبنى استراتيجية العصا الغليظة من خلال التركيز على قطع الإمدادات الحيوية التي تغذي الحرب المستعرة. ويهدف المشروع بالدرجة الأولى إلى تجفيف منابع التمويل الإقليمي والدولي لطرفي النزاع، وفرض عقوبات مشددة ومستهدفة على شبكات تهريب الذهب والصمغ العربي التي تستخدم لشراء السلاح والمسيرات. كما يتضمن القانون توجهاً صارماً لتقييم وتصنيف المجموعات المسلحة والكتائب المؤدلجة كجماعات إرهـــ ـابية عالمية، وتجميد أصول القادة العسكريين الذين يعرقلون وصول المساعدات الإنسانية. ومن خلال هذا المشروع، يسعى الكونغرس إلى إلزام الإدارة الأمريكية بوضع خطة عمل زمنية واضحة وموقوتة لحماية المدنيين وفتح الممرات الإغاثية لمواجهة الكارثة الإنسانية والمجاعة. إن الهدف النهائي من مشروع سلام السودان ليس تقسيم ما تبقى من البلاد كما قد يعتقد البعض، بل إجبار الأطراف المتحاربة على الانصياع لطاولة المفاوضات عبر خنق قدراتها المالية والعسكرية، وذلك لإنتاج صيغة حكم جديدة تضمن بقاء السودان موحداً ومستقراً تحت قيادة لا تهدد مصالح أمريكا وحلفائها في المنطقة، مما يثبت مجدداً أن محرك واشنطن الأول هو البراغماتية واحتواء المخاطر، وليس التفتيت والتقسيم المتعمد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.