المعرفة بالثمار: حين تفضح الأشجار أسرار البذور؟!

 

الجميل الفاضل يكتب:

المعرفة بالثمار:

حين تفضح الأشجار أسرار البذور؟!

 

في الأزمنة التي يكثر فيها البريق ويقلّ فيها النور، وتتعالى فيها أصوات المنابر تكاد تحجب همس الحقيقة، يصبح الرجوع إلى الموازين الأولى نوعاً من النجاة، والعودة إلى ينابيع المعانى ضرباً من التطهّر من ضجيج العالم.

فليس كل من حمل راية الدين قد حمل الدين، وليس كل من أكثر من ذكر السماء قد عرف طريقها.

ولذلك ظلّت عبارة السيد المسيح، تعبر القرون كأنها سهم:

«الأنبياء الكذبة بثمارهم تعرفونهم».

كلمة صغيرة في مبناها، عظيمة في معناها، جعلت الثمرة ميزان الحقيقة، وجعلت الأثر شاهد الصدق؛ لأن الأوراق قد تتشابه، والأغصان قد تتداخل، أما الثمار فلا تكذب.

فالإنسان يستطيع أن يزيّن خطابه، وأن يشيّد حول نفسه الهالات والهياكل والتنظيمات، وأن يحشد الأتباع والأعلام والشعارات، لكنه لا يستطيع أن يزوّر الثمرة حين يحل أوان قطافها.

فالثمار هي اللغة التي تتحدث بها الأرواح عندما تصمت الألسن، وهي المرآة التي ينعكس عليها سرّ البذور، وهي الدليل الذي لا يقبل التأويل.

وفق هذا الميزان، لا يُقاس التدين بطول الزمن، ولا بكثرة العدد، ولا بضجيج الحضور.

فالسبق الحقيقي ليس سبق الأقدام، لكنه سبق القلوب.

كم من سابقٍ ظنّ أن أقدميته جواز مرور إلى الله، فاحتجب عن الطريق بزهوه وخيلائه.

وكم من متأخرٍ أقبل بقلبٍ منكسر، مشتعل بالشوق والصدق، فسبق الركب كله وهو لا يدري.

إذ ليس الذكر في جوهره عدّاً للحروف، بل تحوّلاً في كيمياء الروح.

إنه ذلك النور المفاض الذي يهبط على القلب فيجعله أكثر رحمةً، وأقل قسوةً، وأكثر اتساعاً للخلق.

عموما فإذا لم يُثمر الذكر خُلُقاً، فما هو إلا صدى صوتٍ يتردد بين الجدران.

وإذا لم تُثمر العبادة إنساناً أنقي، فقد ضاع المقصود وبقي الشكل.

لهذا كان أهل البصائر يقولون:

«الدين كله خُلُق، فمن فاقك في الخُلُق فقد فاقك في الدين».

وهذا مصداق لقوله ﷺ: «ما من شيء أفضل في الميزان من حسن الخُلُق».

حسن الخلق ليس في مكان دون آخر، ولا لشخص بعينه، بل هو في كل مكان ومع الجميع.

لأن الأخلاق ليست فرعاً من شجرة التدين، إنما هي الثمرة التي من أجلها زُرعت الشجرة ذاتها.

وحين نضع مشاريع الإسلام السياسي في هذا الميزان، وننظر إلى شجرة النسب الفكرية الممتدة من حسن البنا وسيد قطب، إلى الخميني والترابي والغنوشي، وإلى بن لادن والملا عمر، ثم إلى السرورية والقاعدة وداعش وبوكو حرام والشباب والبراءون؛ فإننا لا نحتاج إلى كثير جدل.

يكفينا أن ننظر إلى الثمار.

فالأشجار تُعرَف بما تُسقطه على الأرض، لا بما تدّعيه في السماء.

وحين نفعل ذلك، يظهر أمامنا قانونٌ تاريخي يكاد يبلغ مرتبة اليقين:

حيثما تمددت هذه الأيديولوجيا، تمدد الخراب معها كظلها.

وحيثما ارتفعت راياتها، ارتفعت معها أعمدة الدخان.

وحيثما وعدت بالخلاص، انتهت بها الطرق إلى المقابر.

ما نراه في السودان، وأفغانستان، والعراق، وسوريا، واليمن، وغزة، وجنوب لبنان، ليس مجرد مصادفات جغرافية عابرة.

إنه حصاد البذور حين يكتمل موسمها.

إنه منطق الثمرة وهي تكشف سرّ الشجرة.

لقد استُبدلت المواطنة بفقه الولاء والبراء، والكفاءة بالبيعة، والوطن بالتنظيم.

وتحوّلت الدولة من فضاءٍ جامعٍ للناس إلى مزرعةٍ خاصةٍ للأتباع.

فانهارت المؤسسات تحت معاول «التمكين».

وتراجعت الحياة أمام زحف الشعارات، وأصبح الدم أرخص من الكلمات.

وصار بعض الناس يتقرّبون إلى الخالق عبر بوابات الموت والدم، كأنهم لم يسمعوا أن الله كتب على نفسه الرحمة قبل أن يكتب على عباده التكاليف.

فحُفرت الخنادق وسط الأحياء، واختبأت البنادق خلف أجساد المدنيين، واستُدعي الطغيان المضاد من باطن المأساة ليشارك في صناعة الخراب ذاته.

وهكذا تكامل هذان الاستبدادان — رغم خصومتهما الظاهرة — على تحويل المدن العامرة إلى خرائب، والحدائق إلى مقابر، والأوطان إلى منافٍ واسعة.

إن المسافة بين تديّن الروح وتديّن الأيديولوجيا ليست مجرد اختلاف في الوسائل، إنها مسافة بين عالمين:

بين نهرٍ يأتي ليسقي الحياة، وسيلٍ يأتي ليجرفها، وبين مشروعٍ يسعى إلى إعمار الأرض، ومشروعٍ لا يرى مجده إلا على أنقاضها.

فالمتدين الحق يبدأ رحلته من نفسه: يحفر في عيوبها، ويجاهد ظلماتها، ويكبح شهواتها، ويُصلح ما استطاع من انحرافاتها.

أما المتدين المؤدلج، فيهرب من معركة النفس الكبرى إلى معارك الآخرين.

يحاكم الخلق لينجو من محاكمة ذاته، ويفتش عن خطايا الناس لأنه لا يريد أن يرى خطاياه، ويحاول تغيير العالم بالقوة لأنه عجز عن تغيير نفسه باللين والرحمة والمحبة.

واليوم، ونحن نراقب ارتدادات المشهد العالمي، يبدو كأن النواميس الإلهية قد بدأت تسترد توازنها العميق.

ذلك فما من ظلمٍ إلا ويحمل في جوفه بذرة فنائه، وما من مكرٍ إلا ويهيئ لنفسه شبكة سقوطه،

وما من مشروعٍ قام على الخديعة إلا وانتهى أسيراً لخديعته.

ذلك هو الناموس الذي عبّرت عنه الحكمة الخالدة:

«كما تدين تُدان».

فها هي التنظيمات الخارجة من المشكاة ذاتها تفترس بعضها بعضاً، وها هي التحالفات المبنية على المنفعة تتهاوى عند أول اختبار، وها هم صناع الموت يتجرعون من الكأس نفسها التي سقوها للشعوب عقوداً طويلة.

وكأن التاريخ، حين يضيق صبره، يتحول إلى قاضٍ صامت لا يرفع صوته، لكنه لا يخطئ في إصدار أحكامه.

وفي خاتمة المطاف، لا يبقى إلا شاهد واحد: هو “الثمرة”.

هي الشاهد الذي لا يُشترى، والقاضي الذي لا يُخدع، والكلمة التي لا تقبل المراوغة.

فكل تدينٍ يُثمر رحمةً وسلاماً وأمناً ومحبةً وكرامةً للإنسان، هو من نور الله مهما اختلفت أسماؤه.

وكل مشروعٍ يُثمر ركاماً وجثثاً وخوفاً وتمزيقاً للأوطان والقلوب، فهو نقيض الدين5 وإن حفظ نصوصه ورفع راياته وتدثر بألف عباءة من القداسة.

فالله لا يُعرَف بضجيج الشعارات، وإنما يُعرَف بأثر رحمته في خلقه.

والأشجار، في نهايات الفصول، لا يحكم عليها الناس بما قالته أوراقها للريح، بل بما أعطته من ثمارها للجائعين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.