كيف تُغذّي القوات المسلحة السودانية نيران الحرب في تيغراي؟

 

في الثاني من يونيو الجاري، نشرت منظمة ACLED، وهي اختصار لـ”مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة والأحداث”، والمعروفة بكونها أكثر مصادر معلومات النزاعات موثوقيةً في العالم، تقريراً تحليلياً بالغ الأهمية يحمل عنوان: “تحرك جبهة تحرير شعب تيغراي نحو السيطرة الكاملة على تيغراي يُشكّل تهديداً متنامياً وموسّعاً في القرن الأفريقي.”

التقرير يكشف لأول مرة بالأدلة والتواريخ والأسماء كيف تحوّل نزاع محلي إلى بؤرة حرب إقليمية بالوكالة، تتقاطع فيها مصالح دولتي السودان وإريتريا ومحاور دولية أوسع، ولم يكتفِ برصد المشهد الميداني في مناطق النزاع.

حلف المحاور ضد أديس أبابا

قبل أن نغوص في تفاصيل الدور الذي تمارسه سلطة بورتسودان عبر أذرع استخباراتها، لا بد من فهم السياق العام الذي يرسمه التقرير بدقة، إذ أقدمت جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF) في مايو الماضي على خطوة استفزازية كبرى بإعادة تنصيب حكومة الإقليم التي انتهت ولايتها عام 2020، متجاهلةً الحكومة المؤقتة القائمة التي فرضتها اتفاقية السلام.

هذه الخطوة، وفق التقرير، مثّلت الحلقة الأولى في سلسلة تصعيد عسكري يستهدف السيطرة على منطقة غرب تيغراي المتنازع عليها، الخط الأحمر الذي أعلنت الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا أنها ستحارب دون العبور منه.

ما يجعل هذا التصعيد خطيراً بصورة استثنائية وغير مسبوقة أنه يعتمد على تحالف إقليمي متعدد المحاور تحتل فيه القوات المسلحة السودانية، بالدليل الموثق، موقعاً محورياً، وليس جبهة تحرير شعب تيغراي كفاعل رئيسي كما جرت العادة طوال فترات الصراع السابقة.

الاستخبارات السودانية المحرك الرئيسي

يُجمع التقرير وتقارير موازية على أن الاستخبارات العسكرية السودانية تحوّلت تدريجياً إلى طرف فاعل في دعم جبهة تحرير شعب تيغراي. ويرصد التقرير، باحتمالية عالية، أن القوات السودانية ستدعم أي تحرك عسكري للجبهة نحو غرب تيغراي عبر تقديم الأسلحة والإمدادات، واستضافة عناصر من قوات دفاع تيغراي (TDF) على الأراضي السودانية لتنسيق العمليات.

هذا ليس سلوكاً جديداً؛ إذ كشفت تقارير منظمة فورين بوليسي ومؤسسة Critical Threats أن القوات المسلحة السودانية سبق أن قدّمت السلاح والدعم اللوجستي للجبهة خلال حرب تيغراي الأولى (2020 – 2022)، وأن علاقتها بالجبهة تاريخية ومتجذرة.

إلا أن الأخطر من هذا هو ما يُوثّقه التقرير من تحركات فعلية على الأرض، إذ في الخامس من مايو الماضي، في نفس اليوم الذي أعلنت فيه الجبهة رسمياً إعادة تنصيب مجلس الإقليم، حشّدت القوات المسلحة السودانية قوات وعتاداً ثقيلاً في ولاية القضارف، التي تتشارك حدوداً مباشرة مع غرب تيغراي وإقليم أمهرة الإثيوبي.

تحرك الجيش السوداني ليس مصادفة

ويرى التقرير أن هذا التزامن لم يأتِ مصادفةً، إذ إن الجغرافيا العسكرية تكشف الخطة بوضوح، فحين تتحرك قوات دفاع تيغراي من الشرق، والميليشيات الأمهرية الموالية للجبهة من الجنوب، فإن هذه القوات المتمركزة في السودان ستتحرك من الغرب، لتُطوَّق المنطقة من جميع الاتجاهات وتُشلّ قدرة الجيش الإثيوبي على الاستجابة.

أما على صعيد الحشد السياسي المعارض للحكومة الإثيوبية، فقد استضافت مدينة بورتسودان، العاصمة الفعلية لسلطة الأمر الواقع، حدثاً بالغ الدلالة تم تحت إشراف مباشر من جهاز المخابرات العامة السوداني، إذ أُقيم مؤتمر حركة “تسيمدو”، الذي يصفه التقرير بأنه “أول جبهة موحدة علنية تضم أطرافاً إقليمية حكومية وغير حكومية صراحةً في مواجهة حكومة أديس أبابا.”

ضمّ هذا المؤتمر طيفاً واسعاً من الأطراف المناهضة لإثيوبيا، إذ جمع في قاعة واحدة أطرافاً مرتبطة بالحكومة الإريترية وقيادات من القوات المسلحة السودانية وفصائل منشقة عن جبهة تحرير أوغادين الوطنية، إلى جانب قوميين أمهريين بارزين وجماعات معارضة مسلحة هامشية متعددة.

وقد أفادت تقارير موقع Horn Review بأن السودان يعمل في هذا الإطار على وظيفتين متكاملتين، أولهما استضافة الجماعات الموالية للجبهة، وثانيهما العمل بوصفه ممراً لوجستياً لنقل الأسلحة إلى إقليم أمهرة الإثيوبي.

التحالف الثلاثي

يكشف التقرير وتقارير موازية، منها تحليل Chatham House الصادر في مايو الماضي، أن الجيش السوداني لا يعمل منفرداً في هذا الملف، بل يندرج ضمن تنسيق ثلاثي يجمع الحكومة الإريترية ومصر، وهي دول تجمعها مخاوف مشتركة من النفوذ الإثيوبي المتصاعد في المنطقة.

ولعل أبلغ ما يُجسّد هذا التنسيق ويُعطيه بُعداً رسمياً علنياً، تلك الزيارة الرسمية التي أجراها الرئيس الإريتري أسياس أفورقي إلى القاهرة يوم الثامن من يونيو الجاري، حين استقبله الرئيس عبد الفتاح السيسي لعقد مباحثات ثنائية موسّعة تناولت صراحةً التطورات الأمنية في القرن الأفريقي، وذلك بعد أسابيع قليلة فحسب من انعقاد مؤتمر “تسيمدو” في بورتسودان، ومن إعلان الجبهة إعادة تنصيب حكومتها.

ويُشير تقرير Horn Review إلى أن مسؤولين إريتريين يُقدّمون التدريب لقوات سودانية ويُسهّلون نقل الأسلحة، بينما يرى المحللون أن مصر، التي تعد الداعم الرئيسي للجيش السوداني، تُحكم بهذا التحالف خناقها الاستراتيجي على إثيوبيا من الشمال والغرب في آنٍ معاً.

التوقيت الحاد

يُبرز التقرير بعناية فائقة تسلسلاً زمنياً ضاغطاً يصعب أن يكون مجرد مصادفة؛ ففي التاسع والعشرين من يناير الماضي، شنّت جبهة تحرير شعب تيغراي عمليات منسقة لاستعادة منطقة تسيليمت، وما إن مرّت أربعة أيام حتى هاجمت حركة الفانو الأمهرية ميليشيا “تكيزي زيب” في غرب تيغراي في الثاني من فبراير، وهو التوقيت الذي شهد، في الوقت ذاته، تحركات عسكرية إريترية وتيغرانية متزامنة نحو غرب تيغراي.

ثم جاء الخامس من مايو محمّلاً بأحداث متراكبة لافتة، ففي اليوم نفسه أعلنت القوات السودانية اتهامها إثيوبيا بشنّ ضربات بطائرات مسيّرة على الخرطوم، وفي اليوم نفسه أعلنت الجبهة رسمياً إعادة تنصيب حكومة الإقليم التي انتهت ولايتها عام 2020.

ولم يمرّ على ذلك أسبوعان حتى انعقد مؤتمر تسيمدو في بورتسودان في منتصف مايو، مصحوباً بحشد موازٍ للقوات السودانية في ولاية القضارف على الحدود مع تيغراي.

إن المشهد الإقليمي لا يقتصر على دور الجيش السوداني أحادي الاتجاه. فمنذ عام 2025، مزّقت التوترات العلاقة السودانية – الإثيوبية من جانبين متوازيين.

فمن جهة، وجّهت القوات المسلحة السودانية اتهامات مباشرة لأديس أبابا بأنها تستضيف معسكراً سرياً لتدريب مقاتلي قوات الدعم السريع في منطقة بني شنقول – غماز، مقدّرةً عدد المقاتلين بأكثر من 4000 عنصر بحلول يناير الماضي.

وفي مايو، اتهمت القوات السودانية إثيوبيا بأن طائرات مسيّرة انطلقت من مطار بحر دار وضربت مطار الخرطوم في الأول من مايو.

أما من جهة إثيوبيا، فقد ردّت وزارة الخارجية الإثيوبية بوصف السودان بأنه “مركز لمختلف القوى المعادية لإثيوبيا”، متهمةً الاستخبارات العسكرية السودانية بتقديم “السلاح والدعم المالي” لمقاتلي الجبهة، وفق تقرير صحيفة Arab Weekly الصادر في مايو الماضي.

استحضار الماضي

لا يمكن فهم الحاضر دون استحضار الماضي، فحتى يوليو 2024، طار رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى بورتسودان للقاء قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في اجتماع وُصف بـ”السري”، توصّل الطرفان فيه إلى اتفاق شفهي للتوقف عن دعم أعداء كل منهما.

وفي يونيو 2025، زار رئيس الاستخبارات الإثيوبية رضوان حسين بورتسودان، يطلب من القيادة السودانية عدم التدخل في النزاعات الداخلية الإثيوبية، وهو ما يعني ضمنياً أن الخشية من هذا التدخل كانت قائمة وحقيقية.

غير أن هذه الاتفاقيات انهارت تباعاً مع تصاعد التدخل المتبادل من الجانبين.

يُحذّر التقرير من أن النزاع في غرب تيغراي تحوّل من خلاف حدودي محلي إلى ما هو أكبر وأخطر على مستويات متعددة.

فعلى الصعيد الإثيوبي، إذا تحرك تحالف “تسيمدو” كاملاً من الجبهة الشرقية، والميليشيات من الجنوب، وقوات مدعومة من الجيش السوداني من الغرب، فستجد قوات الدفاع الوطني الإثيوبية نفسها أمام عناصر معادية متعددة المحاور، وقدرتها على التعامل مع أي جبهة ستصعب على المدى القصير، أما على المدى الطويل فأديس أبابا تمتلك من الأوراق والإمكانات ما يتيح لها حسم الصراع استراتيجياً لصالحها.

أما على الصعيد الإقليمي، فيقف القرن الأفريقي أمام شبح حرب بالوكالة واسعة النطاق لم يشهدها منذ عقود، تستنزف الجميع دون أن تُحقق لأحد انتصاراً حاسماً.

وعلى الصعيد الإنساني، فالتوقعات تُشير إلى موجات نزوح جديدة وعنف طائفي في مناطق أمهرة وأوروميا وتيغراي.

يخلص التقرير إلى صورة قاتمة، حيث إن سلطة بورتسودان المنهكة، التي لا تزال تحارب قوات الدعـ ـــم السريع على أراضيها، تجد نفسها في الوقت ذاته طرفاً في شبكة توترات إقليمية معقدة.

القوات المسلحة السودانية المنشغلة بالحرب على جبهات متعددة، بما فيها جبهة إقليم النيل الأزرق الحدودية مع إثيوبيا، تختار توظيف ورقة الجبهة الإثيوبية أداةً للضغط على أديس أبابا، بينما تتكدّس السحب في سماء القرن الأفريقي.

في مشهد تتداخل فيه الوكالات وتتقاطع الحسابات الاستراتيجية، يبقى المدنيون في تيغراي وأمهرة وأوروميا والقضارف هم الثمن الأفدح لهذه اللعبة التي لا يُدار فيها أي رهان بعيداً عن دماء البشر.

صحيح السودان

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.