جرس رئيس المجلس الرئاسي…إمتحانات أم مشروع تحرر وطني لاحت ملامحه في الأفق؟!
جرس رئيس المجلس الرئاسي…إمتحانات أم مشروع تحرر وطني لاحت ملامحه في الأفق؟!
أنس آدم
بالطبع من السذاجة بمكان النظر إلى إمتحانات الشهادة السودانية التي إنطلقت في مدن وولايات السودان الجديد المختلفة كحدث عابر ، وكذلك من السطحية إختزالها في تظاهرة أكاديمية تنتهي بمراسم إسدال الستار على آخر ورقة في الإمتحانات. فإن الإمتحانات لا تعنى إنتزاع الحقوق فقط، بل هي مهام ثورية تاريخية متموضعة في قلب معركة التحرر من دولة الجلابة العنصرية وجولة حاسمة ونهائية داخل حلبة الصراع بين المركز والهامش – وهذا ما تجلى في ردود الأفعال على المنصات الرقمية سيما بيوت الأشباح الإعلامية السامة والمحسوبة على الحركة الإسلامية الإرهــ ـابية وقوى السودان القديم.
وبالتأكيد إن الإمتحانات التي نجحت حكومة السلام في تنظيمها تتجاوز مسألة كونها فعالية تعليمية محدوده تقتصر دورها على الإنتقال من مرحلة إلى أخرى (الثانوية إلى الجامعية) وتعكس بروز معادلات جديدة وتحولات كبيرة ونوعية وتشكل واقع جديد. وبما أن التعليم أداة ثورية ناجعة في مشروع التحرر الوطني وسلاح فعال لتحقيق رؤية السودان الجديد إلى جانب الكفاح المسلح كوسيلة إستراتيجية أملتها الضرورة التاريخية، فإنه (أي التعليم) يلعب أدوار محورية في تشكيل خارطة النفوذ السياسي وتصميم دوائر التحكم والسيطرة سواء كان في ظل السلام أو الحـ روب والثورات خاصة في عصر التحولات الرقمية التي يشهدها العالم، إلا أنه ظل طوال سبعه عقود من الحـ روب الطاحنة تحت سيطرة دولة الجلابة والنخب المركزية التي تستخدمه كأداة لقهر وإعادة إنتاج الشعوب السودانية داخل حقل الهوية الآحادية الإقصائية ولإحتكار السلطة والثروة، وبحسب مقولة المفكر – الدكتور جون قرنق: (إن لم يكن لديك سلاحاً فإن الجلابة بالتأكيد يسلبون حقك بالعنف والغلبة، وإذا لم تمتلك قلماً يسرقون حقك بالأونطه). ومن هنا يمكن قراءة جرس رئيس المجلس الرئاسي في سياق معركة التحرر التي يتحقق الإنتصار فيها بتفكيك المركزية القابضة أولا كقضية مصيرية تُعتبر من أكبر أسباب الصراع فى السودان والتأسيس الحقيقي يبدأ بتدمير البنية القديمة للدولة وتحرير المنظومة التعليمية من قبضة كارتيلات بورتسودان الإرهــ ـابية. فالإمتحانات تُعد عتبه أولى رئيسية في مشوار التحرر كما انها خطوة ثابته وشجاعة لتجريد قوى السودان القديم من أخطر الأسلحـ ـــة التي تسخدمها في حـ ربها ضد شعوب وأقاليم الهامش في دولة ما بعد الإستعمار 1956.
فضلاً عن ذلك، يقودنا الجرس الرئاسي إلى حقيقة تشكُل وإمتلاك شعوبنا السودانية للسيادة والشرعية ممثله في حكومة السلام المسيطرة على أراضي واسعة ومساحات شاسعة حاضنة لملايين الشعوب الداعمة والمؤيدة لها كما تمتلك حكومة التأسيس موارد هائلة ولديها جيش ثوري تحرري، وحدود دولية ممتدة من الفونج الجديدة بالجوار الإثيوبي ودولة جنوب السودان مروراً بجبال النوبة وكردفان وليس إنتهاءا بدارفور على تخوم تشاد وليبيا مما يعني أن سودان الأمس لم يُعد سودان اليوم (سودان حقبة تأسيس)، فقد تم صناعة مشروع وطني جديد يتجلى في الميثاق والدستور – أهم الوثائق التي كتبت في تاريخ السودان وبالتالي تشكلت منصة جديدة لإتخاذ القرار السياسي وهندسة الأوضاع والمشهد وبالمقابل تفككت منصة السودان القديم وتهاوى معبد الحركة الاسلامية.
وبالرغم من الدلالات السياسية العميقة التي جسدتها الإمتحانات فانها لم تكشف فقط عن أفول شمس السودان القديم ونهاية حقبة نظام الحركة الإسلامية. فالمحاولات اليائسة لحرمان التلاميذ من حقوقهم المشروعة في التعليم باءت بالفشل، وتنظيم الإمتحانات أنتج تعريفاً جديداً لمفاهيم الحكومة، السلطة، والسيادة، والشرعية وأثبت ان حكومة تأسيس واقع معاش لا يمكن إنكاره وسلطة حقيقية (لديها أسنان) على الأرض تقوم بإدارة دولاب الحكم والدولة وبالتالي تقرر وتحدد نيابة عن الشعوب السودانية مصيرها ومستقبل أجيالها – لذلك شاهدنا صراخ وتعالي أصوات الإسلاميين بعد أن تأكدوا بما لا يدع مجالاً للشك أن مستقبلهم أصبح في مهب الرياح وأن الجرس الرئاسي وضع نهاية لدورة حياتهم وأحدث قطيعة مع عقود من السيطرة وإحتكار مراكز القرار وأدوات صياغة الإنسان من تعليم وآلة إعلامية.
أخيراً – إن الجرس الرئاسي في نيالا وأجراس أخرى في مدن السودان الجديد المختلفة أجهض محاولات تجريد شعوبنا السودانية من الإنتماء الأصيل للتراب السوداني والهوية السودانوية خاصة شعوبنا من دارفور وكردفان وجبال النوبة والفونج الجديدة. (وقائع قانون الوجوه الغريبه ماثله أمامنا). لذلك تظل الإمتحانات هي معركة لمخاطبة جذور المشكلة السودانية كالإستعمار وموروثاته، والعبودية وآثارها، والعنصرية المتجذرة والهيمنة الثقافية..الخ، فضلاً عن انها معركة لإستعادة الهوية الذاتية ولدحض السرديات المشوهة عن شعوب الهامش ولتمزيق كروت دولة عمسيب العنصـ رية.