لماذا كل هذا الهجوم على مبارك أردول؟

 

لماذا كل هذا الهجوم على مبارك أردول؟

 

بقلم: عرفة عثمان

 

يقول الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور: “إذا عجز الخصم عن دحض حجتك، فإنه يبدأ في مهاجمتك أنت”. وربما لا توجد عبارة تلخص ما يتعرض له الباشمهندس مبارك أردول أكثر من هذه الجملة. وهذه العبارة تلخص جوهر العمل العام والسياسة؛ فالأفكار تُواجه بالأفكار، والحجج تُقابل بالحجج، أما اللجوء إلى حملات التشويه واغتيال الشخصية فهو اعتراف ضمني بالعجز عن مواجهة الرأي الآخر في ساحة النقاش.

 

خلال السنوات الماضية تحول مبارك أردول إلى واحد من أكثر الشخصيات السودانية إثارة للجدل، ليس بالضرورة بسبب المناصب التي شغلها أو المواقف التي تبناها، وإنما بسبب حجم الاستهداف الذي يلاحقه في كل محطة سياسية. فمن حق أي شخص أن يختلف مع أردول أو ينتقد رؤيته أو مواقفه، لكن ما يلفت الانتباه هو أن كثيراً من الحملات الموجهة ضده لا تنشغل بنقد أفكاره بقدر ما تنشغل بمحاولة النيل من شخصه وصورته أمام الرأي العام.

 

بدأت هذه الحملات بصورة مكثفة منذ توليه إدارة الشركة السودانية للموارد المعدنية. يومها أصبح اسمه حاضراً في النقاشات اليومية، وتحوّل إلى هدف دائم للخصوم السياسيين والإعلاميين. لكن المفارقة أن كثيراً ممن جعلوا من أردول محوراً دائماً لهجومهم لم يعودوا يهتمون حتى بمعرفة من يدير الشركة اليوم بعد مغادرته لها. وهذا يطرح سؤالاً مشروعاً: هل كانت القضية مرتبطة بأداء المؤسسة نفسها أم أن الاستهداف كان موجهاً للشخص قبل المنصب؟

 

الحقيقة أن المؤسسات تبقى والأشخاص يتغيرون، لكن استمرار التركيز على أردول حتى بعد خروجه من الشركة يكشف أن المسألة تجاوزت حدود الرقابة والنقد المشروع إلى حالة من الاستهداف السياسي المستمر. فلو كان الهدف هو متابعة أداء قطاع التعدين أو مراقبة الإدارة العامة لانتقل الاهتمام تلقائياً إلى المسؤول الحالي، لكن ذلك لم يحدث بالقدر نفسه.

 

وتجددت الحملة بصورة أوضح بعد مشاركة أردول في مؤتمر برلين ومشاورات أديس أبابا التي نظمتها الخماسية وما تبعها من لقاءات ومشاورات سياسية خارج السودان. وهنا يبرز جانب مهم يغفله كثيرون عمداً؛ فالمؤتمرات والمنتديات التي تناقش الشأن السوداني، خاصة تلك التي تُطرح فيها رؤى أو سرديات تنتقد الدولة ومؤسساتها، لا يمكن تركها لطرف واحد يحتكر الحديث ويقدم روايته دون وجود أصوات أخرى تدافع عن وجهة نظر مختلفة.

 

في السياسة لا تُدار المعارك بالصمت، ولا تُصحح الروايات بالمقاطعة. وعندما يشارك شخص في مؤتمر أو منبر دولي حاملاً رؤية داعمة للدولة أو مدافعاً عن مؤسساتها، فإن ذلك لا يعني بالضرورة الاتفاق مع كل مواقفه، لكنه يظل جزءاً من حق مشروع في عرض وجهة نظر أخرى أمام المجتمع الدولي والرأي العام.

 

إن أخطر ما يواجه الحياة السياسية السودانية اليوم هو الانتقال من معركة الأفكار إلى معركة الأشخاص. فبدلاً من مناقشة ما يقوله الرجل، ينشغل البعض بتشويه صورته. وبدلاً من تفنيد حججه، تُصنع الشائعات وتُروج الروايات التي تستهدف سمعته. وهذه ليست أزمة تخص مبارك أردول وحده، بل هي أزمة في الممارسة السياسية نفسها.

 

إذا كان لدى خصوم أردول اعتراض على أفكاره أو مواقفه، فليقدموها للرأي العام وليتركوا الناس يحكمون بينها. أما تحويل الخلاف السياسي إلى حملات منظمة للنيل من الأشخاص، فلن ينتج حواراً وطنياً ولا حياة سياسية معافاة، بل سيزيد من حالة الاستقطاب والانقسام التي يدفع السودان ثمنها منذ سنوات.

 

في نهاية المطاف، يبقى المبدأ بسيطاً وواضحاً: الأفكار تُهزم بالأفكار، والآراء تُواجه بالآراء، أما اغتيال الشخصية فليس انتصاراً في معركة السياسة، بل هروب من خوضها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.