مكين حامد تيراب
ظلت كردفان الكبرى، كما غيرها من أقاليم الهامش السوداني، تدفع ثمن سياسات الدولة القائمة على العنف والاستغلال المنهجي للتنوع الاجتماعي والقبلي. فمنذ عقود، اعتمدت السلطة المركزية على إذكاء النزاعات المحلية وتغذية الانقسامات التاريخية لضمان استمرار هيمنتها، حتى أصبحت الفتنة أداة من أدوات الحكم.
ومع وصول الحركة الإسلامية إلى السلطة عبر انقلاب الثلاثين من يونيو 1989، لم يتوقف هذا النهج، بل ازداد رسوخاً وخطورة. فقد جرى توظيف الخلافات القبلية والمجتمعية بصورة ممنهجة لتقويض التعايش الاجتماعي وضرب التحالفات التاريخية بين مكونات الإقليم، وهو ما تجلى بوضوح في جنوب كردفان وغيرها من مناطق النزاع.
غير أن أكثر ما يبعث على الأسى ليس استمرار الدولة في ممارساتها القديمة، وإنما أن يتحول بعض أبناء الإقليم أنفسهم إلى امتداد لهذا المشروع المدمر. فبدلاً من الانحياز لقضايا أهلهم ومجتمعاتهم، اختاروا أن يكونوا أدوات في يد أجهزة السلطة والجماعات الإسلامية، يشاركون في إعادة إنتاج دائرة العنف التي أحركت البلاد لعقود طويلة.
لقد شهد السودانيون كيف استُخدمت شعارات الدين والجهاد لتبرير الحروب في جنوب السودان، وكيف وُصم الأبرياء في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق بالتمرد والارتزاق لتبرير قتلهم وتشريدهم. واليوم تتكرر المأساة تحت شعارات جديدة، بينما يبقى الضحايا هم أنفسهم: المواطنون البسطاء الذين يدفعون ثمن صراعات السلطة ونزواتها.
ولعل أصدق ما يصف هذه الحالة قول الشاعر:
“وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً
على المرءِ من وقعِ الحسامِ المهندِ“
فالألم يصبح مضاعفاً حين يأتي الأذى من أبناء الدار أنفسهم، ممن يدفعون أهلهم إلى أتون الحروب، ويعبئون الشباب في معارك لا تخدم مصالح المجتمعات المحلية بقدر ما تخدم مشاريع الهيمنة والاستبداد.
إن مواجهة هذا الواقع لا تكون بالكراهية أو الانتقام، وإنما بالوعي والتنظيم والتمسك بقيم العدالة والحرية التي نادت بها الثورة السودانية. فالمعركة الحقيقية ليست بين مكونات المجتمع الواحد، بل ضد السياسات التي جعلت من الانقسام وسيلة للحكم ومن الدماء جسراً للبقاء في السلطة.
إن التغيير يبدأ من الذات، ومن القدرة على التمييز بين الانتماء للأرض والناس، والانتماء للمشاريع التي تتغذى على الحرب والخراب. ولذلك فإن مسؤولية القوى المؤمنة بالتغيير تقتضي كشف أدوات الفتنة، وفضح خطاب التحريض، والدفاع عن قيم التعايش والعدالة دون مجاملة أو تردد.
قد تكون التحديات كبيرة، وقد تتعدد المتاريس والعقبات، لكن إرادة الشعوب كانت دائماً أقوى من مشاريع القهر. وما تحتاجه كردفان اليوم، والسودان كله، ليس مزيداً من البنادق، بل مزيداً من الوعي، ومزيداً من الشجاعة الأخلاقية للانحياز إلى الإنسان قبل أي ولاء آخر.