دار حامد أكبر من الفتنة

 

دار حامد أكبر من الفتنة

 

 

بقلم: الأستاذ أحمد العبيد

 

في الوقت الذي يواجه فيه السودان واحدة من أعقد الأزمات في تاريخه الحديث، تبرز بين الحين والآخر محاولات لإعادة إنتاج أدوات الصراع القديمة القائمة على استغلال القبيلة وتوظيف المكونات الاجتماعية في معارك سياسية وعسكرية لا تخدم مصالح المواطنين. ومن وجهة نظري، فإن ما يجري حول قبائل دار حامد لا يمكن فصله عن مساعي بعض الدوائر المرتبطة بالحركة الإسلامية وأجهزتها الأمنية والاستخباراتية السابقة لإيجاد بؤر توتر جديدة داخل المجتمع السوداني، عبر خطاب يقوم على الاستقطاب والتحريض واستدعاء الانتماءات القبلية إلى ساحة الحرب. وإذا صح هذا التقدير، فإن ذلك يمثل نهجاً خطيراً يهدد السلم الأهلي ويستهدف ضرب العلاقات التاريخية التي جمعت أهل كردفان بمختلف مكوناتهم لعقود طويلة.

 

غير أن من يعرف دار حامد جيداً يدرك أن هذه القبيلة العريقة أكبر من أن تُستغل في مشاريع الفتنة والانقسام. فقد ارتبط اسمها في الوجدان السوداني بقيم الكرم والشهامة والنخوة وإكرام الضيف وإغاثة الملهوف وحماية الجار وصون العهود. وظلت مناطق دار حامد عبر التاريخ محطات للتعايش والتسامح والتواصل بين مختلف القبائل والمجتمعات، ولم تكن يوماً عنواناً للكراهية أو الإقصاء. كما أن قياداتها الأهلية ورموزها الاجتماعية عُرفوا بالحكمة ورجاحة العقل والقدرة على احتواء الأزمات وإصلاح ذات البين، وهي قيم متجذرة لا يمكن أن تمحوها دعوات عابرة أو حملات تحريض مؤقتة مهما بلغت حدتها.

 

إن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو تحويل الصراع السياسي والعسكري إلى صراع اجتماعي بين أبناء الوطن الواحد. فالحروب مهما اشتدت تنتهي في يوم من الأيام، أما الجراح التي تتركها الفتن القبلية فإنها تبقى لسنوات طويلة وتؤثر على الأجيال القادمة. ولهذا فإن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تفرض على الجميع، من قيادات أهلية وشباب ومثقفين وفاعلين سياسيين، رفض أي دعوات للتجييش القبلي أو الاستثمار في الانقسامات المجتمعية. كما أن من واجب القوى الوطنية كشف كل المحاولات التي تسعى إلى استخدام المواطنين وقوداً للحرب تحت أي لافتة كانت، والعمل على تحصين المجتمع بخطاب الوحدة والتسامح والتعايش.

 

إنني على ثقة بأن أهل دار حامد، بما عرف عنهم من حكمة ووعي وإدراك عميق لمصالح مجتمعهم، قادرون على إفشال أي محاولات تستهدف جرهم إلى مستنقع الفتنة. وسيظلون، كما كانوا دائماً، جزءاً أصيلاً من مشروع بناء السودان القائم على التعايش والسلام والاحترام المتبادل بين جميع مكوناته. فالسودان اليوم في حاجة إلى حكماء القبائل أكثر من حاجته إلى دعاة الحرب، وإلى أصوات العقل أكثر من أصوات التحريض، وإلى من يبنون الجسور بين الناس لا إلى من يبحثون عن إشعال الحرائق بينهم. ولذلك فإن الرهان الحقيقي يجب أن يبقى على وعي المواطنين وعلى الإرث الأخلاقي والاجتماعي العظيم الذي تتمتع به دار حامد وسائر القبائل السودانية الأصيلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.