من أين يأتي العدو ..!؟
الغرب السوداني: هامشٌ يصنع التاريخ أم شريكٌ تسرقه الرواية؟
من أين يأتي العدو ..!؟
عامر علي الحاج
الغرب السوداني: هامشٌ يصنع التاريخ أم شريكٌ تسرقه الرواية؟
سؤال يبدو بسيطاً، لكنه يحمل في طياته بنية كاملة لفهم الذات والآخر، وتحديد من يستحق السلطة ومن يُقصى منها. في الحالة السودانية، أُجيب عن هذا السؤال منذ تأسيس الدولة الحديثة بجواب واحد متكرر: العدو يأتي من الشرق، والشرق هنا يعني إثيوبيا، ومعها كل ما يهدد حوض النيل. غير أن التاريخ — حين يُقرأ بعين غير مدجّنة — يقول شيئاً مختلفاً تماماً.
فمن أين جاء الغزو التركي المصري عام ١٨٢٠؟ من الشمال. ومن أين جاء الغزو الإنجليزي المصري عام ١٨٩٨؟ من الشمال أيضاً. وحين اهتزت الخرطوم عام ١٩٧٦ وسيطر المهاجمون على مطارها ثلاثة أيام، من أين جاؤوا؟ من الغرب. وحين داهمت حركة العدل والمساواة العاصمة عام ٢٠٠٨ في أكثر لحظات النظام السابق هشاشةً، من أين انطلقت؟ من الغرب أيضاً. أربع لحظات كبرى، لا تهديد واحد فيها جاء من الشرق. فمن أين جاءت، إذن، هذه الفرضية التي تجعل الشرق عدواً استراتيجياً؟
دولةٌ بنتها مصر، ورثها السودانيون
لفهم الإجابة، لا بد من العودة إلى اللحظة التأسيسية. حين نزلت الحملة التركية المصرية عام ١٨٢٠ إلى أرض السودان، لم تكن تحمل مشروعاً سودانياً. كانت تحمل مشروعاً مصرياً خالصاً: تأمين منابع النيل، وتوفير الموارد البشرية والمادية لمحمد علي في طموحاته الإمبراطورية. الخرطوم نفسها لم تكن موجودة قبل هذا الغزو؛ أنشأتها الإدارة المصرية عاصمةً، وبنت إدارتها ونخبتها وجيشها بمنطق يخدم مركزاً واحداً لا يقع في السودان.
هذه النقطة جوهرية: الدولة السودانية الحديثة لم تنشأ من تعاقد سوداني داخلي، بل نشأت من إرادة خارجية رأت السودان من زاوية النيل حصراً. ومن هذه الزاوية، كان الشرق — إثيوبيا — يمثل التهديد الأصيل لأنه يتحكم في منابع النيل الأزرق. وكان الغرب — ما وراء حوض النيل — يمثل الهامش لأنه خارج المعادلة المائية التي تُحرّك الرؤية المصرية للمنطقة.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: حين ورث السودانيون هذه الدولة عام ١٩٥٦، هل ورثوا معها هذه الرؤية؟ والجواب — بكل ما يحمله من ثقل — نعم. استبطنت النخبة السودانية النيلية المنطق الجغرافي-السياسي الذي بنته مصر، وطبّقته على واقع سوداني مختلف تماماً، وكأن تعريف العدو والصديق ليس موروثاً بل كشفاً ذاتياً.
الغرب الذي يصنع التاريخ ولا يكتب روايته
لكن التاريخ السوداني يحمل مفارقة صارخة: الغرب الذي يُعامَل كهامش هو الذي صنع المفاصل الكبرى في تاريخ هذا البلد.
من أين انطلقت الثورة المهدية التي أسقطت الحكم التركي وأسست أول دولة سودانية مستقلة؟ من الغرب. وحين وقف أحد أبناء الغرب في برلمان السودان ليقترح الاستقلال عن مصر، كان يمثل هامشاً وفق الرواية الرسمية، لكنه كان يصنع التاريخ وفق الواقع. وحين أُعلنت الجبهة الإسلامية القومية لأول مرة، كان ذلك في الغرب؛ تلك الجبهة التي قادت انقلاب ١٩٨٩ وحكمت ثلاثين سنة. وحين جاء الدعم السريع من الغرب ليكون الذراع الضاربة للنظام من ٢٠٠٣ حتى ٢٠٢٣، كان الغرب مرة أخرى يؤدي دوراً مركزياً في رسم ملامح الدولة.
أربعة قرون من المفاصل التاريخية، الغرب حاضر في كلها — لكن الرواية الرسمية تصفه في كل مرة بالهامش. فمن يكتب هذه الرواية، ولماذا؟
النمط الثابت: استدعاء الغرب ثم إقصاؤه
إذا أمعنّا النظر في هذه المفاصل، يتكشّف نمط متكرر بدقة مذهلة: المركز النيلي يستدعي طاقة الغرب في لحظات الأزمة، يستخدمها حتى تنتهي المعركة، ثم يعيد إنتاج نفسه في السلطة بدونه. المهدية جاءت من الغرب لكن الخرطوم ظلت المركز. الجبهة الإسلامية استخدمت الغرب قاعدة، لكن حكمت من الخرطوم. الدعم السريع حمى نظام البشير عقدين كاملين، وظل خارج دوائر القرار الحقيقية. والقوات المشتركة الدارفورية اليوم تقاتل تحت راية الجيش السوداني، والسؤال المؤجل يتراكم: هل ستُشرك في الحكم حين تنتهي المعركة، أم يتكرر النمط؟
هذا النمط ليس مصادفة ولا قصوراً في الحكمة السياسية. إنه بنية. بنية تحتاج إلى الغرب وقوداً، وتخشاه شريكاً. ولا يمكن فهم هذه البنية دون إدراك أنها مستمدة من المنطق التأسيسي ذاته: دولة بنيت على منطق النيل، لا على منطق التنوع الحقيقي لسكانها.
الحرب الحالية: حين كسر الغرب النمط
وهنا تأتي حرب ١٥ أبريل ٢٠٢٣ بوصفها لحظة فريدة في التاريخ السوداني كله، لا لأنها الأعنف فحسب، بل لأنها الأولى التي يرفض فيها الغرب أن يبقى أداةً.
كل الحروب السودانية السابقة كانت تمرداً من الهامش يطالب بحقوق داخل الدولة القائمة. هذه الحرب مختلفة: طرف غربي التكوين والجغرافيا والقبيلة، نشأ داخل المؤسسة العسكرية ذاتها، انسحب إلى الغرب بعد أن فشل في الاحتفاظ بالمركز، وأعلن صراحةً أنه يبني دولة موازية هناك وينوي التحرك منها. هو لا يطالب بحصة في الدولة القديمة، بل يطعن في شرعيتها الوجودية.
لكن — وهذا ما يجعل المشهد بالغ التعقيد — أن يرفض الغرب النمط بهذه الطريقة، بما رافقها من جرائم موثقة بحق المدنيين، لا يجعل مطلب الشراكة الحقيقية أقل مشروعية. يجعل فقط التمييز أصعب بين حق موثوق وأسلوب مدمِّر.
والتحالف الذي يحارب الدعم السريع يحمل في داخله نفس الأزمة
والمفارقة الأكثر إيلاماً أن التحالف الذي يواجه الدعم السريع اليوم يعيد إنتاج المعضلة ذاتها. جيش مركزي نيلي، يتحالف مع حركات دارفورية تحاربه بالأمس، ضد قوة دارفورية أخرى. والسؤال الذي يتجنب الجميع طرحه: ماذا بعد؟ إذا انتصر هذا التحالف عسكرياً، على أي أساس يُبنى السلام؟ وهل يعيد المركز إنتاج نمط الاستدعاء والإقصاء مع حلفائه الدارفوريين الجدد، أم أن شيئاً ما تغيّر هذه المرة؟
أزمة سودانية أم أزمة سودان المصري؟
وهنا يطرح التاريخ سؤاله الأخير والأكثر إزعاجاً: إلى أي حد ما نسميه “الأزمة السودانية” هو في جوهره أزمة السودان الذي بنته مصر، لا السودان الذي اختاره أهله؟
الحدود رُسمت وفق مصالح مصرية-بريطانية. العاصمة اختيرت لخدمة منطق نيلي. والعقيدة الأمنية التي ترى العدو من الشرق وتتجاهل الغرب هي عقيدة من يخشى على النيل، لا عقيدة من يفهم السودان.
هذا لا يعني أن النخبة السودانية النيلية مجرد أداة في يد مصر؛ فقد طوّرت مصالحها الخاصة وأعادت إنتاج هيمنتها باستقلالية تامة. لكنه يعني أن الأساس الذي بنت عليه هذه الهيمنة، والرؤية التي شرّعتها، والعدو الذي حددته — كل هذا يحمل بصمة المؤسِّس المصري أكثر مما يعكس الواقع السوداني المركّب.
خاتمة مفتوحة..
إذا كانت هذه القراءة تقترب من الصواب، فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه السودان ليس: كيف ينتصر في هذه الحرب؟ بل: هل هو مستعد لأن يُعيد تأسيس نفسه على منطق مختلف — منطق يرى الغرب شريكاً مؤسساً لا أداةً مؤقتة، ويعترف بأن العقيدة التي ورثها عن مؤسسيها لم تكن يوماً عقيدته هو؟
الإجابة على هذا السؤال لن تحددها المعارك العسكرية. ستحددها النخبة السودانية بكل مكوناتها، حين تختار — أو ترفض — أن تقرأ تاريخها بعيون غير مستعارة.
#السودان_للسودانيين
#العلمانية_لإدارة_تنوعنا
#العسكر_للثكنات_والمليشيات_تنحل
#الحرب_يجب_ان_تتوقف
#بالعدل_والمحبة_نصنع_السلام_والنهضة