بئس القلق الدولي.. كيف تحولت مأساتنا الى برتكول دولي ممل

 

بئس القلق الدولي..

كيف تحولت مأساتنا الى برتكول دولي ممل

 

أحمد عثمان محمد المبارك

 

منذ أربع سنوات، والمشهد يُعيد إنتاج نفسه في حلقة مفرغة لا تنتهي، قذائف تمزق الصمت، ومدن تتحول إلى ركام، وأصوات استغاثة تذوب في فضاء لا يسمع. ومازالت تطل علينا المنصات الدولية ببياناتها المنمقة ودعواتها الفورية لوقف القتال، حتى تحولت تلك الكلمات مع مرور الوقت إلى أسطوانة مشروخة، تضج ضجيجا وتفتقر الفعل، تماماً كصرخة في وادٍ سحيق لا يرتد منها سوى الصدى.

 

هذا التكرار الممل في الخطاب الدولي لم يعد مجرد عجز دبلوماسي، بل أصبح نوعاً من تطبيع الكارثة، حيث يمارس المجتمع الدولي طقوساً بروتوكولية لإبراء الذمة أمام الرأي العام، بينما يدرك المتحاربون جيداً أن هذه التهديدات لا تملك أنياباً. لقد قرأ أمراء الحرب اللعبة مبكراً، وفهموا أن القلق العميق الذي تبديه المنظمات الأممية والدول الكبرى هو مجرد سحابة دخان لا تمطر فعلاً حقيقياً، فتعاملوا معها بسياسة (أضان الحامل طرشة)، مستمرين في غيهم ومتمادين في إحراق الأخضر واليابس ما دام الرادع غائباً والضمير في إجازة مفتوحة.

 

ومع دخول الحرب عامها الرابع، فقدت المفردات معناها الأصلي؛ فكلمة تحذير باتت تعني في عرفهم منح مهلة إضافية للتدمير، ودعوات الهدنة وضبط النفس أصبحت وقوداً يستغله كل طرف لترتيب صفوفه وحشد المزيد من أدوات الموت.. لقد تحولت دماء الأبرياء خلف كواليس السياسة إلى أوراق ضغط ومساومة في سوق المصالح الإقليمية والدولية، حيث تُباع المبادئ في مزاد صفقات السلاح وتوازنات القوى، ويُترك الإنسان الوحيد الذي يدفع الثمن ليواجه مصيره معزولاً، محاصراً بين نار الجبهات وبرود البيانات الرسمية.

 

إن هذا الاستعصاء الذي نعيشه يثبت أن الرهان على ضمير من استمرأ القتل هو رهان خاسر، وأن الدبلوماسية الناعمة حين لا تستند إلى قوة تفرضها تصبح نوعاً من التواطؤ غير المباشر.. لقد سئمت الشعوب من رؤية مسرحية العجز هذه، حيث يتبادل القادة في الغرف المكيفة البيانات الجوفاء، بينما يتبادل الناس في الأزقة الموت والجوع. إن ما يشهده السودان اليوم ليس مجرد فشل في إحلال السلام، بل هو إعلان صريح عن إفلاس النظام الأخلاقي العالمي، الذي استبدل الفعل الحقيقي بلحن مشروخ لم يعد يطرب أحداً، ولم تعد قادرة حتى على إخفاء قبح الواقع الذي تزداد قتامته يوماً بعد يوم…

 

والله غالب

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.