الخدماتُ فى مناطق سيطرة الدّعم السّريع: إذا وُجَدَتْ..هل تكونُ تأسيس هى الحكومة؟
بدون زعل
الخدماتُ فى مناطق سيطرة الدّعم السّريع: إذا وُجَدَتْ..هل تكونُ تأسيس هى الحكومة؟
إذا وُجَدَتْ..هل تكونُ تأسيس هى الحكومة؟
عبد الحفيظ مريود
الأستاذ الصّحفىّ/ معاذ منصور
تحيّة طيّبة، وبَعدُ:
فى العام 2012م تمَّ افتتاحُ مصنع سكّر النّيل الأبيض. فكرتُه ومشروعه تعودان إلى العام 2003م. حسب المقرّر، فإنَّ ما نسبتُه 50% من وظائف المصنع وعمالته ينبغى أنْ تؤول إلى أهالى المنطقة، ولاية النّيل الأبيض. فى المعاينات للوظائف، ثمّة 10 درجات أساسيّة إنْ كنتَ من أهالى المنطقة. بمعنى أنَّ إبن المنطقة يبدأُ من 10، فيما يبدأ بقية أهل السُّودان من صفر. هل فى ذلك نوعٌ من الإجحاف؟ لا أعتقد ذلك. لكنَّ مشايخ وعُمَد المناطق المحيطة بالمصنع، ظلّوا ينظّمون وقفاتٍ احتجاجيّة، يغلقون الطرقات، حيناً. وذلك لأنَّ أبناءهم لم يتمّ توظيفهم، كما كانتِ التوقّعات. لماذا؟
لأنَّ أغلبهم ظلَّ يسقط فى المعاينات، حتّى بعد الدّرجات العشر التميزيّة.
والمنطقة تحتضنُ “بخت الرّضا”. وتعرفُ – لأنّك من جيل قديمٍ، نسبيّاً – ماذا تعنى بخت الرّضا. والمنطقة، بحر أبيض، قدّمتْ أسماء لامعة فى سماوات السُّودان، منذ استقلاله: البروفسيور التّجانى الماحى، محمد أحمد محجوب، بروفسيور محجوب عبيد، د. خالد المبارك، د. عمر نور الدائم، الشّهيد القرشى، وغيرهم من الأسماء. كيف يسقطُ أبناؤها فى معاينات محدودة لمصنع، فى الألفينات؟
شايف كيف؟
والنّيل الأبيض ظلَّ الموطن الأبرز لصناعة السُّكّر فى السُّودان. كنانة، الأكبر والأشهر، عسلاية، ثمَّ سكّر النّيل الأبيض.
لكنّكَ – لو جُستَ خلال الولاية – لتوقّفتَ طويلاً تسألُ: أين الخلل؟ فالولاية كانتْ تواجه تحدّياً كبيراً فى مياه الشُّرب. دعْ عنكَ بقية الخدمات. جنوب الولاية: مناطق قبيلة “سليم”، غرب النّيل الأبيض، وصولاً إلى “أم جلالة”، وإنْ شئتَ، حتّى “ود دكونة”، سابقاً. ثمَّ من كوستى، تتبّعْ أرياف الولاية نازلاً مع النّهر حتّى “الدّويم”، ستجدُ العجب العُجاب. هل يمكنكَ تفسير قصور التنمية والخدمات؟
لن تستطيع..
لكنّنى سأنقلُكَ نقلةً قريبة: بادية الكبابيش. التى تبدأ – تحديداً – حين تنتهى أمدرمان، العاصمة الوطنيّة ومنبع العلم والثقافة والرّياضة. (أم أندرابة، رهيد النُّوبة، جبرة الشّيخ، حَمرة الوز، أبو زعيمة، حمرة الشّيخ، أم سنطة). تلك باديةٌ كبرى. وسكّانٌ يسهمون فى صّادرات السُّودان بشكلٍ رئيس، سواءً من حيث الضأن (الكبّاشى)، أو من حيث الإبل، وبعض الحبوب الزّيتيّة. لم ترتبط هذه البلدات بالشّبكة (القوميّة) للكهرباء، بالطُرق الأسفلتيّة، بالقطار. لم تتمتّع بأبسط مطلوبات الخدمات الصّحيّة. ثمّة مراكز صحيّة فقيرة، وترعاها منظمّات. المدارسُ بناها الإنجليز أو الرّعيل الأوّل، تلك التى درّس فيها محمّد سعيد العبّاسى، سليل السّادة السّمّانيّة، المتحدّر من “طابت”، قريباً من قريتك، أو بعيداً، ليس مهمّاً. ومحمّد سعيد العبّاسى الذى كتب (ذكرياتى فى البادية)، أىْ بادية الكبابيش، لو قرأتَ كتابه وذهبت إلى هناك، لوجدتَ الأوضاع كما هى. بمثلما لو عاد عبد الله على إبراهيم ل ” ديوان النّوراب”، لوجد الأوضاع كما هى، ولو عاد طلال أسد، أو مايكل أشر. فلا شيئ ينبئ عن تغيير جوهرىّ ههنا، منذ ذاك الوقت.
شايف كيف؟
هل خاضتِ النّيلُ الأبيض حروباتٍ ضروساً، حالتْ بينها وبين التنّعم بالخدمات؟ هل عانتِ الكبابيش من ويلات الحروب منذ الاستقلال، على شاكلة جنوب السُّودان؟
كلّا..
لن أنقلَكَ إلى شرق السُّودان: الشّريط ذاك : وَقَر، هداليا، أروما، دون أنْ تضطر للدخول إلى “الجخانين”. لم تكنْ هناك، ونحنُ نصوّر فيلماً وثائقيّاً، 2011م، حين دخلنا مستشفى “طوكر”، ولم يكنْ هناك إلّا سيّدة شابّة فى عنبر للمرضى، تفترش البلاط، مع توأميها، حديثىْ الولادة، وثمّة مسمار على الحائط المكشوط، عُلّق عليه درب (محلول وريدى).
هل تحتاجُ نماذج إضافيّة، لمناطق قريباً من “المركز”؟ هل تحتاج تصعد متتبّعاً الأتبراوىّ من عطبرة إلى “سيدون”؟ هل تحتاجُ أنْ تسوحَ فى وديان الحسّانيّة فى نهر النّيل؟ هل تحتاجُ إلى من يطوف بك شرق الجزيرة؟ البطانة؟
لا أظنُّ ذلك.
رأيتُكَ تعترض اعتراضاً مجيداً على عبارة “مناطق سيطرة الدّعم السّريع”، تفترضُ أنَّ (السّيطرة) تستتبعُ نّظاماً للحكم، جهازاً يُقدّم الخدمات الأساسيّة للمواطنين. فالمواطن هو الهمّ الأكبر، منذُ أنْ جاءنا
حكم محمّد على باشا، وأعطانا شكل وحدود الدّولة المعروفة بالسُّودان. ظلَّ الجميعُ – منذ ذلك الحين – يدأبون فى “تقديم الخدمات للمواطن”، أليس كذلك؟
شايف كيف؟
السّؤال الجوهرىّ:
هل خاض ويخوض الدّعمُ السّريع هذه الحرب المفروضة عليه (كبلبوسىّ لن يعجبك هذا التشخيص)، وأنا أعرفُ أنّها مفروضة عليه، من أجل توفير الخدمات للمواطن؟ هل طرحَ خطاباً للمظلوميّة؟
لم يفعل ذلك.
ما نحنُ بصدده أكبرُ وأهمّ من تقديم الخدمات.
وذلك لا يعنى أنّها تحتلُّ مكاناً مرموقاً فى تفكير “تأسيس”.
لكنّها ستظلُّ خدماتٍ مثل خدمات المنظمّات المحلّية..إذا لم تؤسّس.
ستظلُّ تطرحُ خدماتٍ على شاكلة ما هو مقدّم للكبابيش، لأروما وهداليا، لمحلّية “الرّدوم” فى جنوب دارفور، لمحلّية “أبو مطارق” فى شرق دارفور، لمحليّة “باو” فى النّيل الأزرق، أو محلّية “دوكة”.
هذه مقدّمات أساسيّة لأدخلَ معك فى “صلب الموضوع”.
وسأفعل قريباً، بإذن الله.