السودان وإثيوبيا.. مخاوف من جر البرهان البلاد لصراع إقليمي

مثّل الهجوم على مطار العاصمة السودانية الخرطوم بطائرة مسيرة، الإثنين، تصعيدا جديدا أعاد التوتر في العلاقات السودانية الإثيوبية إلى الواجهة، وسط تحذيرات من اتساع رقعة الصراع في منطقة تعاني أصلا هشاشة أمنية وتداخلات إقليمية معقدة.

 

وأثار الهجوم موجة من الاتهامات المتبادلة بين الخرطوم وأديس أبابا، بعدما اتهمت السلطة القائمة في بورتسودان إثيوبيا بالارتباط بالطائرات المسيرة المستخدمة في العملية، إلى جانب توجيه مزاعم ضد دولة الإمارات، في حين نفت كل من أبوظبي وأديس أبابا تلك الاتهامات بشكل قاطع، مؤكدتين دعمهما مساعي التهدئة والحلول السياسية للأزمة السودانية.

 

ويأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه الحرب السودانية تصاعدا في استخدام الطائرات المسيرة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وسط مخاوف دولية من انزلاق التوترات الحالية إلى مواجهة إقليمية أوسع.

 

الإمارات: تضليل وعرقلة للسلام

 

وفي المقابل، قلل مسؤول إماراتي من الاتهامات التي وجهها الجيش السوداني بشأن وجود دور إماراتي في الهجوم، واصفا إياها بأنها “افتراءات وتلفيق وجزء من نمط ممنهج للتضليل”، يهدف إلى إلقاء اللوم على أطراف خارجية والتنصل من المسؤولية عن تطورات الحرب.

 

وقال المسؤول، بحسب وكالة “رويترز”، إن مزاعم الجيش السوداني تهدف إلى إطالة أمد النزاع وعرقلة أي مسار حقيقي نحو السلام، مضيفا أن الأولوية يجب أن تنصب على وقف أعمال القتل والدمار التي يتعرض لها الشعب السوداني جراء الحرب المستمرة.

وأضاف المسؤول الإماراتي أن على الجيش السوداني التركيز على إنهاء القتل والأضرار التي تلحق بالشعب السوداني من هذه الحرب المدمرة.

إثيوبيا: الجيش السوداني يدعم مرتزقة

وفي السياق ذاته، سارعت إثيوبيا إلى رفض اتهامات الجيش السوداني، ووصفتها بأنها “لا أساس لها من الصحة”، متهمة في المقابل الجيش السوداني بتقديم دعم لـ”مرتزقة جبهة تحرير شعب تيغراي”، التي تخوض هجمات مسلحة ضد الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا.

وقالت وزارة الخارجية الإثيوبية، في بيان الثلاثاء، إن الشعبين السوداني والإثيوبي تجمعهما علاقات تاريخية وروابط أخوية ممتدة، مؤكدة أن الحكومة الإثيوبية التزمت قدرا كبيرا من ضبط النفس، رغم ما وصفته بانتهاكات طالت سلامة أراضيها وأمنها القومي من قبل أطراف منخرطة في النزاع السوداني.

واتهمت أديس أبابا الجيش السوداني بتقديم أسلحة ودعم مالي لعناصر مرتبطة بجبهة تحرير تيغراي، معتبرة أن ذلك أسهم في تسهيل عمليات التوغل على طول الحدود الغربية لإثيوبيا.

وأضاف البيان أن “الاستخدام الواسع لمرتزقة جبهة تحرير شعب تيغراي” شكل أحد أبرز مظاهر التهديدات المرتبطة بالحرب السودانية، مشيرا إلى ما وصفه بـ”وجود أدلة كافية وموثوقة” على تحول السودان إلى مركز تنشط من خلاله قوى معادية لإثيوبيا.

وأكدت إثيوبيا، في ختام بيانها، أنها ستواصل الوقوف إلى جانب الشعب السوداني خلال هذه المرحلة الصعبة، مع تجديد دعوتها إلى الحوار بين أطراف النزاع، والتشديد على أنه لا يمكن التوصل إلى حل عسكري للأزمة.

كما شددت على ضرورة التوصل إلى هدنة إنسانية فورية، يعقبها وقف مستدام لإطلاق النار، وإطلاق عملية انتقالية وحوار مدني مستقل وشامل وشفاف، بما يرسخ أسس سلام دائم ويمهّد لاستعادة الحكم المدني في السودان.

مخاوف دولية من انفجار إقليمي

تشير تقارير دولية إلى أن التوتر الحالي لا يقتصر على كونه خلافا طارئا، بل يمثل مواجهة متعددة الأبعاد، تتشابك فيها التدخلات الداخلية والخارجية مع حروب الوكالة وملفات المياه، في منطقة تفتقر أساسًا إلى استقرار راسخ.

ويرى آلان بوزيل، الباحث المتخصص في شؤون السودان وإثيوبيا والقرن الأفريقي، أن الوضع بالغ الخطورة، إذ ينظر كل من السودان وإثيوبيا إلى الطرف الآخر باعتباره داعما مباشرا لخصومه المسلحين، وأن جميع مقومات الانفجار الإقليمي الكبير باتت قائمة.

وحذر بوزيل من تصاعد التوتر بين الخرطوم وأديس أبابا، مشيرا إلى أن أي مواجهة مباشرة بين البلدين قد تستدرج أطرافًا إقليمية أخرى إلى الصراع، بما قد يحوّل النزاع إلى حرب إقليمية واسعة.

رفض سوداني للتصعيد

واستنكرت قوى مدنية وسياسية وشخصيات سودانية ما وصفته بمحاولة عبد الفتاح البرهان وسلطة بورتسودان الهروب من مسار السلام عبر زجّ السودان في صراع مع دولة جارة.

وقال سياسي سوداني مقيم في القاهرة – فضل عدم الكشف عن هويته – لسكاي نيوز عربية إن البرهان “يواصل الهروب إلى الأمام”، معتبرا أنه يدفع البلاد نحو أزمة أكبر، بدلا من السعي لإنهاء الكارثة الإنسانية التي خلّفتها الحرب.

من جهته، قال الكاتب الصحفي لؤي قور إن مشاركة جبهة تيغراي الإثيوبية إلى جانب الجيش السوداني “كانت علنية وموثقة منذ الأشهر الأولى للحرب في ولاية الجزيرة”، مشيرا إلى أن الجبهة شنت مؤخرا

هجومًا على غرب إثيوبيا انطلاقا من منطقة داخل الحدود السودانية.

وأضاف قور أن اتهام إثيوبيا يأتي، بحسب رأيه، في إطار محاولة لصرف الأنظار عن التراجع الميداني الذي تواجهه سلطة بورتسودان في عدد من محاور القتال.

بدوره، انتقد مبارك الفاضل المهدي طريقة إدارة السلطة القائمة في بورتسودان للملفات الخارجية، معتبرًا أن السياسة السودانية الحالية تُدار بـ”العنتريات”.

ودعا الفاضل إلى معالجة الخلافات مع إثيوبيا عبر الحوار بدلا من التصعيد، مشيرا إلى أن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد سبق أن زار بورتسودان، كما أوفد مسؤولين إثيوبيين لبحث القضايا العالقة بين البلدين.

وشدد على أن استمرار الحرب يمثل استنزافا كبيرا للسودان، مؤكدا أن كلفتها الإنسانية باهظة، وأن “الخاسر الأكبر فيها هو السودان وشعبه”.

وفي ظل تصاعد الاتهامات وتداخل الحسابات الإقليمية، تتزايد المخاوف من أن تتجاوز تداعيات الحرب السودانية حدودها الداخلية إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.

اسكاي نيوز

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.