في محراب الشتات.. مراجعة أخلاقية لبنية الشخصية السودانية

 

في محراب الشتات

مراجعة أخلاقية لبنية الشخصية السودانية

 

✍🏼أحمد عثمان محمد المبارك

 

في محكمة التاريخ، وأمام مرآة الحقيقة التي لا تجامل، يقف الإنسان السوداني اليوم مثقلاً بجراح الشتات وأنين الأرض، يتساءل في ذهول، كيف انفرط عقدُنا؟ هل أصابنا مس من الخبل الجماعي؟ أم أننا جيلٌ كُتب عليه التيه؟

 

الحقيقة الصادمة التي يجب أن تخرج من عتمة الهواجس إلى ضوء الوعي هي أن العقل السوداني ليس مختلاً من الناحية البنيوية، بل هو عقل مُستلب، جرد من سيادته على نفسه، وأُودع في زنزانة التزييف الممنهج.

فما نشهده اليوم ليس نتاج صدفة أو جينات فوضوية، بل هو حصاد مرّ لعملية تجريف للوجدان بدأت منذ عقود. لقد تم التلاعب بالعقل الجمعي السوداني عبر تحويل الاختلاف على مصادر الثراء إلى خندق القتال. وقد تم الاستلاب حين أُقنع الفرد بأن أمانه يكمن في قبيلته لا في وطنه، وبأن خلاصه يمر عبر جثة شريكه في الأرض. انه استلاب حوّل النخبة والشعب معاً إلى أدوات في صراع عبثي، يُدار بريموت كنترول الأيديولوجيات تارة، والمصالح الضيقة تارة أخرى، بينما يغرق الجميع في مستنقع من الدماء والدموع بلا وعي ولا ضمير.

 

​لقد آن الأوان لنتوقف عن لعب دور الضحية التي لا حول لها ولا قوة، لنواجه بنية شخصيتنا بجرأة المشرط في يد الجرّاح. إن العقل السوداني المستلب يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى هزة عنيفة من الوعي تخرجه من غيبوبة الانتظار. إن استعادة الإرادة المسلوبة لا تأتي عبر تبادل الاتهامات أو التشفي في انكسارات الآخرين؛ فالتشفي هو لغة الضعفاء الذين يخشون مواجهة ذواتهم. والطريق الوحيد يمر عبر النقد الذاتي الشجاع، تلك الممارسة القاسية التي تتطلب منا الاعتراف بأننا جميعاً بصمتنا أو بفعلنا أو بانحيازاتنا العميقة قد شاركنا في صنع هذا الحريق.

 

​إن مواجهة خطايا الماضي بروح المسؤولية تعني الكف عن تجميل القبح. يجب أن نعترف بأن “التسامح السوداني” المزعوم كان في كثير من الأحيان قشرة رقيقة تخفي تحتها ألغاماً من العنصرية الكامنة، والتعالي الجهوي، والإقصاء السياسي. إن الضمير الذي نبحث عنه ليس مفقوداً، ولكنه “مُكبل” بقيود الخوف من الحقيقة. ولن يتحرر هذا الضمير إلا إذا امتلكنا القدرة على قول “لا” لخطاب الكراهية الذي يُبث في عروقنا يومياً، و”لا” لتزييف المصالح الذي يجعل الفقير يقاتل الفقير نيابة عن تجار الحروب.

 

​يا أيها الوعي الجمعي السوداني المنهك: إن النهوض من هذا المستنقع يبدأ بامتلاك “الشجاعة الأخلاقية” لنقد الموروث الذي يقدس القوة على حساب الحق، ويقدم الولاء على الكفاءة. إن استرداد العقل المسلوب يتطلب منا صياغة عقد اجتماعي جديد، لا يُكتب بالحبر، بل بدموع الندم الواعي والإصرار على الحياة. نحن لا نحتاج إلى معجزات، بل نحتاج إلى أن نكون “أسياد عقولنا” مرة أخرى، وأن ندرك أن عدونا الحقيقي ليس “الآخر” الذي يسكن ضفة النهر الأخرى أو ينتمي لقبيلة مغايرة، بل هو “الجهل بمصلحتنا” و”الاستسلام للمستلبين” الذين يقتاتون على تمزقنا.

 

​إنها لحظة الحقيقة؛ فإما أن نستعيد إرادتنا عبر نقدٍ يحطم أصنام الماضي ويؤسس لمستقبل يليق بإنساننا، أو أن نرتضي البقاء في “سيكولوجية القطيع” التي تقودنا حتماً نحو العدم. الاختيار لنا، والمسؤولية تطوق أعناقنا جميعاً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.