ما وراء المعارك.. كيف تُدير شبكات السلاح الخفية حرب السودان؟

لم تعد الحرب في السودان صراعا عسكريا يجري في ميادين القتال، بل انتقلت إلى الخارج، وتحولت إلى نموذج مكتمل لما يُعرف بـ”اقتصاد الحرب”، حيث تتداخل شبكات التهريب وغسل الأموال والتمويل غير المشروع مع مسارات القتال، لتُنتج نظاما قائما بذاته، تتغذى فيه الحرب على مواردها الخاصة، وتُعيد إنتاج نفسها باستمرار.

القضية التي كُشف عنها في أبوظبي، المرتبطة بتورط شبكة تعمل مع الجيش السوداني لتهريب أسلحة عبر دولة الإمارات، وقبلها كشف السلطات الأمريكية عن القبض على وسيطة السلاح الإيرانية “شميم مافي” التي تعمل لصالح الجيش السوداني، ليست حادثتين معزولتين، بل تكشفان عن بنية أوسع وأكثر تعقيدا، تمتد من موانئ بورتسودان وبندر عباس، وتتداخل فيها الأسواق المالية مع العمل الإنساني وشبكات الشركات العابرة للحدود.

من اقتصاد موازٍ إلى اقتصاد مُهيمن

في المراحل الأولى من الحروب، يظهر الاقتصاد غير الرسمي كظاهرة هامشية، لكن في الحرب السودانية تشير المعطيات إلى انتقال نوعي، حيث لم يعد اقتصاد الحرب مجرد نشاط موازٍ، بل أصبح مصدر التمويل الرئيسي للعمليات العسكرية، وأداة لإعادة توزيع النفوذ بين الفاعلين، وبديلا فعليا لمؤسسات الدولة المنهارة.

هذا التحول يعني أن الجيش السوداني لم يعد يعتمد فقط على الدعم الخارجي المباشر، بل صار يعمل مع شبكات غير قانونية لتمويل نفسه داخليا وخارجيا عبر قنوات غير رسمية.

كيف تعمل المنظومة الخفية؟

تكشف التحقيقات المرتبطة بملف تهريب الأسلحة عن نموذج متكرر في النزاعات الحديثة، يقوم على

ثلاث طبقات مترابطة: واجهات قانونية عبر شركات مسجلة رسميًا تعمل في مجالات النقل أو التجارة أو الخدمات، لكنها تُستخدم كقنوات لتمرير الأموال أو تغطية العمليات اللوجستية، مع وجود طبقة مالية مرنة تشمل تحويلات تقليدية (الحوالات) وحسابات مصرفية موزعة جغرافياً لخلق عمليات تبييض أموال عبر تجارة السلع.

إضافة إلى ذلك، توجد شبكة لوجستية متعددة المسارات تربط الموانئ بميناء الوصول في بورتسودان. هذه البنية، بحسب خبراء، تتيح للنظام العمل بمرونة عالية، بحيث يصعب تعطيله عبر استهداف نقطة واحدة فقط.

الكشف عن تورط سلطة بورتسودان

يكشف عادل إبراهيم، وزير الطاقة السوداني السابق والخبير في اقتصاد النزاعات، لـ”سكاي نيوز عربية”، عن شركة حكومية وردت في تقرير الاتهام، وهي شركة (بترولاينز)، قائلا: “إن استخدام شركة حكومية تابعة لوزارة الطاقة في تهريب أسلحة يكشف أن الأمر تعدى الجيش ووصل إلى سلطة بورتسودان التي تحولت إلى فرع للجريمة المنظمة”.

وأضاف: “ما يشهده السودان حالياً لم يعد مجرد اقتصاد حرب تقليدي، بل منظومة مالية هجينة تشابه منظومات المافيا العابرة، تتكيّف بسرعة مع الضغوط، وتعيد تشكيل نفسها عبر شبكات عابرة للحدود. هذه الشبكات لا تعتمد فقط على تهريب السلاح، بل على مزيج من الشركات الواجهة، والتدفقات النقدية غير الرسمية، واستغلال الثغرات في النظام المالي الدولي”.

وقال: “الأخطر أن هذه البنية تمنح القدرة على الاستمرار دون الحاجة إلى حسم عسكري، ما يجعل الحرب خيارًا اقتصاديًا قابلًا للاستدامة، وليس مجرد حالة طارئة”.

اختراق المجال المدني الإنساني

أحد أكثر المؤشرات إثارة للقلق التي كشف عنها تقرير النائب العام لدولة الإمارات، حمد سيف الشامسي، هو استخدام الغطاء الإنساني كجزء من هذه المنظومة، حيث كشفت القضية عن استخدام الأسلحة تحت غطاء شركات الدواء.

والأمر هنا، بحسب خبراء في العمل الإنساني، لا يتعلق فقط بإساءة استخدام الموارد، بل بتحوّل العمل الإنساني إلى قناة لوجستية منخفضة الشبهة لصالح شبكات الجريمة المنظمة، وغطاء لتدفقات مالية يصعب تتبعها.

يقول الخبير الإنساني صالح أبوبكر لـ”سكاي نيوز عربية”: “لم يعد التحدي فقط في حجم الاحتياجات الإنسانية، بل في البيئة التي تُدار فيها هذه العمليات؛ فعندما تتداخل شبكات اقتصاد الحرب مع مسارات المساعدات، تصبح عملية إيصال الدعم أكثر تعقيدًا وخطورة”.

ويضيف: “في بعض الحالات، لا تقتصر المشكلة على العوائق الأمنية، بل تمتد إلى خطر تحويل الموارد أو استغلالها بطرق غير مباشرة، ما يهدد حيادية العمل الإنساني ويقوّض ثقة المجتمعات المتضررة في المنظمات العاملة في المجال”.

تدويل اقتصاد الحرب وانكماش الحلول

رغم أن الصراع في السودان يبدو داخليا في طبيعته العسكرية، فإن بنيته الاقتصادية أصبحت عابرة للحدود، حيث تتقاطع مصالح شبكات تجارية إقليمية ووسطاء ماليين دوليين وفاعلين غير رسميين في أسواق السلاح.

لكن المفارقة أن هذا التدويل الاقتصادي لم يقابله تدويل فعّال للحلول السلمية، إذ لا تزال أدوات الضغط

الدولية مجزأة وبطيئة، وغير قادرة على استهداف الشبكات المعقدة.

لماذا تُطيل هذه الشبكات عمر الحرب؟

اقتصاد الحرب لا يموّل الصراع فقط، بل يُعيد تشكيل دوافعه. وفي هذا السياق تتحقق ثلاث تحولات جوهرية: أولها تحوّل الحافز من أهداف سياسية للوصول إلى السلطة إلى مكاسب اقتصادية، إضافة إلى توسّع دائرة المستفيدين من الحرب لتشمل فاعلين خارج ساحة القتال، فضلاً عن توفر مصادر تمويل ذاتية تضمن استمرار الحرب.

وبالتالي، يصبح إنهاء الحرب تهديدا مباشرا لمصالح هذه الشبكات التي يقف خلفها عناصر النظام القديم (الإخوان) الطامحون للعودة إلى السلطة، ما يوسّع دائرة المقاومة لأي تسوية سياسية من شأنها إنهاء الحرب.

يقول مراقبون سياسيون سودانيون إنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق، فإن بقاء هذه الشبكات يعني أن السودان سيواجه تحديات معقدة، أبرزها وجود اقتصاد ظل قوي مشترك مع الجيش ينافس الدولة، وصعوبة استعادة السيطرة على الموارد، إضافة إلى اختراق مؤسسات الحكم بأموال غير مشروعة، وتعقيد جهود إعادة الإعمار والاستثمار.

بمعنى آخر، فإن نهاية الحرب مع وجود هذه الشبكات المرتبطة بالجيش لا تعني بالضرورة انتهاء اقتصاد الحرب، بل قد تُشكل تهديداً للاستقرار والسلام المستدام.

خلاصة

قضية شبكة السلاح المحالة إلى محكمة أبوظبي، إضافة إلى القضية التي تحقق فيها السلطات العدلية

الأمريكية، كشفتا عن واقع أعمق، وهو أن الحرب في السودان لم تعد مجرد خطوة متهورة ومدمرة من تنظيم إسلامي للعودة إلى السلطة تحت غطاء بندقية الجيش، بل تحولت إلى نظام اقتصادي متكامل يمتد عبر الحدود، ويخلق مصالح متشابكة تُبقيه قائماً.

 

إن التحدي الحقيقي حاليا لا يكمن فقط في فرض وقف إطلاق النار، بل في تفكيك هذه المنظومة المعقدة، وهو ما يتطلب تنسيقا دوليا عالي المستوى، وأدوات مالية واستخباراتية متقدمة، وإرادة سياسية دولية تتجاوز إدارة الأزمة إلى معالجتها جذريا.

 

وفي غياب ذلك، سيظل اقتصاد الحرب اللاعب الأكثر ثباتاً في إعادة تشكيل موازين القوة داخل السودان، وصياغة مسار الصراع بما يتجاوز الحسابات العسكرية والسياسية التقليدية، ليغدو العامل الحاسم في تحديد من يملك النفوذ، ومن يملك القدرة على إطالة أمد الحرب.

اسكاي نيوز

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.