الشعب السوداني.. بين وهم العظمة وحقيقة الانسان..

الشعب السوداني..

بين وهم العظمة وحقيقة الانسان..

 

 

✍🏼احمد عثمان محمد المبارك

 

​لطالما طرقت مسامعنا، في ثنايا الخطب السياسية والمقالات الحماسية، عبارة (الشعب السودان العظيم)، وهي عبارة قد تبدو اليوم للكثيرين مجرد صدى فارغ يرتطم بجدران واقعٍ أليم. فأين هي هذه العظمة ونحن نشهد فصولاً من اقتتال السودانيين للسودانيين، ونعاني وطأة الشتات، ونرى بلادنا تتذيل قوائم الرفاهية والسكينة؟ كيف يستقيم تمجيد الذات مع أنات الجوع وصوت الرصاص؟

الحقيقة ربما لم يخطئ شعوري حين بحثت عن ملامح تلك العظمة في بريق المدن الحديثة، أو في قوة جواز السفر ولم أجدها، فنحن نعيش في زمنٍ تقاس فيه قيمة الشعوب بمعدلات النمو الاقتصادي وبسط النفوذ، وهي موازين نتقاسم فيها اليوم مقاعد المتأخرين.

 

​لكن عظمة الشعب السوداني الحقيقية التي يكررها السودانيون، بعيداً عن ضجيج السياسة، ليست وقاراً سياسياً ولا ترفاً اقتصادياً، بل هي تلك القوة الخفية التي تظهر حين تسقط كل مؤسسات الدولة ويبقى الإنسان وحيداً في مواجهة العدم. هي عظمة لا ترى في خرائط الثروة، بل في البيوت المفتوحة على مصراعيها للغرباء في ذروة القحط، وفي النفير الذي يحوّل الجار إلى أخ بمجرد أن تمسه جمرة الضيق. تتجلى هذه العظمة في ذلك التواطؤ الأخلاقي العجيب الذي يجعل مجتمعاً كاملاً يتكاتف لإطعام جائع أو إيواء نازح دون أن ينتظر توجيهاً من حكومة أو منظمة، كأنما هناك ميثاق غير مكتوب يسري في عروق الناس بأن العيب أشد وطأة من الموت.

 

​ومع ذلك، لا يمكننا مواراة الجانب المظلم الذي بدأ يطفو مؤخراً، خاصة في دول المهجر؛ حيث باتت تظهر سلوكيات مشينة تهدم هذا البناء الأخلاقي وتخدش وجه العظمة الموروثة. فبين حدة الاستقطاب السياسي الذي انتقل من الداخل إلى أزقة المنافي، والمشاجرات الجماعية التي تصدرت منصات التواصل، وتفشي خطاب الكراهية والعنصرية في مجتمعات كانت تفتخر بتجانسها، يبدو وكأن الإنسان السوداني بدأ يفقد بوصلته تحت ضغط الإحباط والضياع. هذه الممارسات التي تشوه السمعة وتخلق صورة ذهنية سالبة لدى الشعوب الأخرى، هي في الحقيقة نتاج لانهيار السند الاجتماعي وتآكل القيم التي كانت تضبط في الداخل بالخوف من ملامة المجتمع، لكنها اليوم أمام اختبار حقيقي في فضاءات مفتوحة لا ترحم، مما يضعنا أمام سؤال قاسٍ هو، هل كانت عظمتنا طبعاً أصيلاً، أم أنها كانت مجرد ضوابط اجتماعية تلاشت بمجرد الابتعاد عن الأرض؟

 

​إن الأنفة التي تجعل السوداني يرفض أن يبيع كرامته، ويحمل معه سمعة الأمانة كإرث وحيد، تواجه هذه الأنفة اليوم خطر الاندثار تحت وطأة تصرفات فردية لكنها مؤثرة. ورغم مرارة هذا التناقض وسواد المشهد الحالي، تظل هناك روح عصيّة على الانكسار تحاول في كل مرة أن تولد من جديد من تحت الرماد، متمسكة بإنسانية مفرطة قد تبدو في عين العصر الحديث ساذجة، لكنها في جوهرها هي الصمود الحقيقي.

 

العظمة السودانية ليست صك غفران للمخطئين، بل هي عبء يحمله هذا الشعب ليبقى إنساناً في واقع يحاول بكل قوته نزع صفة الإنسانية عنه…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.