قل جاء الحق وزهق الباطل.. إن نهج الإسلامويين كان زهوقا‎!‎‏

قل جاء الحق وزهق الباطل.. إن نهج الإسلامويين كان زهوقا‎!‎‏

خالد أبو أحمد

للحقيقة والتاريخ، أول مرة أشعر فيها بعمق مضمون الآية الكريمة في سورة الإسراء: ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل ۚ إن الباطل كان ‏زهوقا﴾، هذه الآية تقرر حقيقة كونية ثابتة: أن الحق هو الباقي وأن الباطل إلى زوال مهما تعاظم وانتفخ. وما الباطل إلا كزبد البحر الذي ‏قال فيه الحق سبحانه: ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء ۖ وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾، وقد اقشعر جسمي وأنا أتأمل مدى تطابق هذا ‏الوصف القرآني مع الباطل الذي جسدته الحركة الإسلاموية في منظومتها الحاكمة في بلادنا العزيزة‎.‎

والتاريخ لا يرحم ولا يكذب؛ فكل حركة بنت سلطانها على الغش والقمع والتلاعب باسم الدين انتهت إلى مزبلة التاريخ، ولم يشذ عن ‏هذه القاعدة أحد، وها هو الإسلامويون السودانيون يسيرون في الدرب ذاته، مثقلين بتركة خمسة وثلاثين عاما من الدم والفشل ‏والفضيحة والخزي والعار‎.‎

بفضل ما حباني الله سبحانه وتعالى به من نعمة الصبر على الابتلاء وانتظار النتائج الربانية، الحمدلله اليوم وبعد عقود أسمع صرخاتهم ‏وعويلهم وتصريحاتهم تقر بأن حكمهم العضوض قد فشل، وأن الناس قد بعدوا عنهم، كما صرح ضياء الدين بلال أحد دهاقنة هذا ‏الباطل، وتبدلت لهجة الهندي عز الدين والطاهر ساتي والطاهر التوم، فباتت نبرتهم الهزيمة لا الصولة، ومن اعترف بالفشل فقد انتهى، ‏لأن السلطة لا تقوم إلا على وهم الهيبة والجبروت، وهيبتهم قد تهاوت‎.‎

 

الاعتراف بالهزيمة..!

وأكثر ما أثار حفيظتي تلك التصريحات المنسوبة إلى المجرم الكبير علي عثمان محمد طه، أحد أشد القادة ولوغاً في دماء أهلنا وأطفالنا ‏ونسائنا، وهو يدعو الآن إلى ما كان الشرفاء يدعون إليه منذ عقود، وكذلك تصريحات مصطفى عثمان إسماعيل المهادنة التي تنضح ‏بالاعتراف الصريح بالهزيمة، وإن نفيت صحتها لاحقاً فالنفي بات سمة راسخة في مسيرتهم الدامية، وكما قال المثل العربي العريق: ‏‏”رب عجلة وهبت ريثاً”، فهذا الذي أشعل الحرب ورفض إيقافها برغم التوسلات العربية والخليجية والأفريقية والدولية، وأدار ظهره ‏لجلسات الحوار والمفاوضات، ورفع بكل صفاقة شعار “بل بس”، هو نفسه الذي يتحدث اليوم عن الحوار والحل السلمي وقد بدأ ‏الحصار يضيق عليهم من كل الجهات،.. فيا لله من وقاحة لا تعرف لها حدوداً.‏‎!‎

 

والحقيقة أن الواقع السوداني لا يحتاج إلى مزيد من التأكيد على فشل هذا المشروع الدموي المدمر؛ فكل ما يحيط بنا يشهد عليه: أزمات ‏لا تنتهي، وتقارير وكالات الأنباء ترصد تفاصيل الموت والضحايا والهجرة القسرية والتعذيب والاغتصاب والاعتقال، ومعتقلات تكتظ ‏بأبناء الوطن الشرفاء من النساء والرجال الذين لم يرتكبوا جريمة سوى قول كلمة الحق‎.‎

 

والأرقام لا تكذب: يصنف مؤشر الدول الهشة السودان باستمرار بين الدول الخمس الأولى الأكثر هشاشة وانهيارا في العالم، ويصنفه ‏مؤشر مدركات الفساد التابع لمنظمة الشفافية الدولية من بين الدول العشر الأكثر فسادا في العالم. فلو كان المشروع الإسلاموي حقا ‏لكانت النتيجة غير هذه، وبالله عليكم: أي رسالة إلهية تنتج هذا الخراب؟.‏

 

إزهاق الباطل

إن لهجة الهروب من السفينة الغارقة واللهجة التصالحية التي بدأت تطفو على السطح تؤكد بجلاء إزهاق ذلك الباطل الذي عشعش في ‏حياتنا ستة وثلاثين عاما، هؤلاء الذين بدأوا يرسلون الإشارات بلا حياء هم من صاحوا بنا‎:‎

‏﴿أنا ربكم الأعلى﴾‏‎..‎

 

و﴿ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾‏‎..‎

طردوا الكفاءات الوطنية ونخب الأمة، وفتحوا بيوت الأشباح لتعذيب كل من رفض سلوكهم الأرعن، واغتالوا خيرة العقول الوطنية ‏داخل معتقلاتهم. ولم يرعوا في الناس إلا ولا ذمة، حتى بلغ بهم الهوان أن غرسوا مسمارا في رأس الشهيد الدكتور علي فضل، ‏وارتكبوا ما ارتكبوه في حق الشهيد أحمد الخير. وصدق فيهم ابن خلدون حين قال: “إن الظلم مؤذن بخراب العمران”، فهل ثمة خراب ‏أبلغ مما أصاب السودان؟.‏

 

ومن تكبرهم وتعاليهم حسبوا أن السودان مزرعة من مزارعهم؛ يبقون فيه من يشاؤون ويطردون من يخالفهم، حتى أصدروا أوامرهم ‏لبعثاتهم الدبلوماسية بعدم تجديد جوازات سفر المعارضين أو إنجاز أي معاملة قنصلية لهم. وهذا سلوك من يعتقد أنه يملك الوطن لا من ‏يخدمه، وقبل ذلك كان رأس جيش الذباب الإلكتروني علاء الدين يوسف قد اقترح على قادة النظام طلب تسليم المعارضين من الدول ‏التي يقيمون فيها، وصرح بذلك علنا في حلقة تلفزيونية. وقد سجل التاريخ هذا الاقتراح بوصفه أحد أبشع التصريحات في تاريخ السودان ‏الحديث، لكنه في المحصلة زادنا عزيمة ومضاء‎.‎

 

أنا شخصيا فقد تلقيت الشتائم والتهديدات المتواصلة ستة وعشرين عاما، وتعرضت لمحاولات دؤوبة لاختراق حساباتي الإلكترونية، ‏ومحاولات قذرة للإيقاع بي في فخاخ أخلاقية، وكلها باءت بالفشل بحمد الله وتوفيقه. وقد علمتني هذه التجربة أن الذي يعمل للحق لا ‏يخاف، لأن الحق درعه والله ظهيره‎.‎

 

اتمام مكارم الأخلاق..‏

والقضية هنا أعمق من سياسة أو خلاف حزبي؛ فهؤلاء لم يكونوا يوما ذوي صلة حقيقية بديننا الحنيف السمح، الدين الذي قال رسوله ‏الخاتم ﷺ: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، الدين الذي عصم دماء الناس وأعراضهم وعقولهم، فأي إسلام هذا الذي يغرز المسامير ‏في الرؤوس كما فعلوا بالشهيد الدكتور علي فضل، ويهتك فيه عرض الأبرياء كما جرى للشهيد أحمد الخير، ويُعذَّب فيه الناس لمجرد ‏قول الحق؟ إن استغلال الدين لتسويغ الاستبداد أعظم الجرائم وأشدها إثما‎.‎

 

والإنسان السوداني الأصيل الذي عرفه العالم عبر الأجيال بالكرم والبشاشة والطيبة والشهامة والمروءة، يوجعه أن يرى بلاده تُحكم ‏بعقلية غريبة عن روحه وتقاليده، عقلية لا تعرف الإقالة ولا تقبل الاعتراف بالخطأ ولا تؤمن بالمحاسبة، بل تمارس الغطرسة ‏والاستعلاء على أبناء الوطن، وكأنها مفوضة من الذات الإلهية لحكم السودان بالحديد والنار‎.‎

 

وفي المقابل أبان المكون المدني بكل أطيافه عن أدب رصين وخلق قويم وصبر على الأذى لم يحركه عداء ماكر ولا إثارة رخيصة، ‏قادة المكون المدني لم ينزلوا إلى حضيض الإساءة ولم يخرجوا عن دائرة النقد الموضوعي، بينما صرف النظام الإسلاموي ملايين ‏الدولارات على آلات التشهير والتشويه (الغرف الإعلامية) في أربع دول، ليرموا الأبرياء بالعمالة ويلوثوا السمعة النقية. وبينما كانوا ‏ينفقون هذا المال الحرام على التشويه، كانت الأسر النازحة في بورتسودان وغيرها تعيش في المدارس مفتقرة إلى أبسط مقومات ‏الكرامة الإنسانية‎.‎

 

إن كلام الله الذي أنزل من فوق سبع سماوات يتحقق كل يوم بأمانة لا تخطئ؛ فالعصبة الحاكمة أنفقت من أموال الشعب ملايين ‏الدولارات فصارت عليها حسرة، والآن هي في طريقها إلى الزوال الأبدي. ﴿فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على ‏عروشها﴾، وليعلموا أن المحاكم الدولية لا تنام، وأن لجنة إزالة تمكين نظام الثلاثين من يونيو، قد نهضت من جديد وبقوة، وأن ملفات ‏الجرائم مفتوحة، وأن البشير نفسه مضى بمذلة، فكيف بمن هم دونه؟ وبعد حساب الدنيا ينتظرهم حساب الآخرة الذي هو أشد وأبقى‎.‎

 

وأنا على يقين لا يتزعزع بأنهم سيلقون يومهم الذي وعدهم الله به، وينتظرنا نحن الذين وقع علينا الظلم فرح لا يوصف برؤية الحق ‏ينتصر‎.‎

 

وبنصر الله يفرح أهل السودان جميعا‎..‎

 

الأول من أبريل 2026م

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.