الشيوعي السوداني بين خطاب الثورة ومفارقات الممارسة

 

الشيوعي السوداني بين خطاب الثورة ومفارقات الممارسة

د. عبد المنعم همت

الحزب الشيوعي السوداني يقف بين خطاب ثوري مرتفع وممارسات متناقضة، حيث تكشف التجارب التاريخية عن فجوة عميقة بين الشعارات والواقع السياسي الفعلي.

فعل. ظل الخطاب مرتفعًا، صداميًا، مشبعًا بمفردات الثورة والقطيعة مع السلطة، بينما تكشف محطات الممارسة عن مسار أكثر تعقيدًا، تتداخل فيه المشاركة مع المعارضة، والتكيف مع الرفض.

إذا عدنا إلى تجربة حكم الفريق إبراهيم عبود، نجد أن الحزب قرر خوض انتخابات المجلس المركزي في ظل نظام عسكري مغلق. تلك المشاركة لم تكن مجرد خطوة إجرائية، بل كانت قبولًا بالعمل داخل بنية سلطوية سعت إلى إضفاء شرعية على نفسها عبر أدوات شكلية. السؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف يُبرر هذا الخيار داخل خطاب يرفع شعار المواجهة مع الأنظمة العسكرية؟

ثم تأتي محطة انقلاب مايو 1969، حيث ارتبط الحزب بتجربة الحكم الجديدة في بداياتها. هذه اللحظة لا يمكن عزلها عن سياق البحث عن موقع داخل السلطة، حتى وإن تم ذلك تحت شعارات تقدمية. التجربة انتهت بصدام لاحق، غير أن لحظة التقاطع الأولى تظل قائمة في الذاكرة السياسية.

وفي عهد نظام الإنقاذ يعود المشهد بصيغة أخرى. الحزب شارك في البرلمان رغم طبيعته غير المنتخبة، وقَبِل بوجود ممثلين له داخل مؤسسة تعكس ذروة السيطرة السلطوية. التبرير كان إيصال الصوت إلى الجماهير من داخل البرلمان، غير أن السؤال الجوهري ظل معلقًا: أي صوت يمكن أن يصل من داخل مؤسسة محكومة بقوانين السلطة وأجهزتها؟

هذه المحطات التاريخية لا تقف عند الماضي. في الحاضر تتكرر أنماط مشابهة بصيغ مختلفة. تشكيل وفد من الحزب لمقابلة وزير البنى التحتية في عطبرة، وتقديم مقترحات لحل أزمة المياه، يكشفان عن استعداد للتعامل المباشر مع سلطة قائمة. اللقاء يمكن قراءته من زاوية خدمية، غير أن القراءة السياسية ترى فيه مؤشرًا على قبول مبدأ التواصل مع بنية السلطة دون تفكيكها أو مساءلتها بصورة جذرية.

المفارقة أن هذا الانفتاح على السلطة يقابله تشدد في الموقف من قوى مدنية أخرى. خلال الفترة الانتقالية اتجه خطاب الحزب نحو التصعيد في مواجهة حكومة عبدالله حمدوك، ولم يتبلور خط واضح يجمع بين النقد والدفاع عن المسار المدني. بدلاً من ذلك تصاعدت لغة التخوين والتشكيك، مما ساهم في إضعاف الحاضنة السياسية للمرحلة الانتقالية، ورفع الحزب الشيوعي شعار إسقاط حكومة حمدوك.

هذا التباين بين القول والفعل يضعف الثقة الشعبية ويجعل الحزب أسير ازدواجية مستمرة تتحرك بين المعارضة الجذرية والانخراط الجزئي داخل بنية السلطة القائمة

هنا يبرز التناقض في صورته الأكثر وضوحًا؛ حزب شارك في مؤسسات سلطوية مغلقة تحت مبررات متعددة، يرفض الانخراط في تجربة انتقالية مفتوحة، ويرفع شعار إسقاطها دون تقديم بديل عملي متماسك. هذا التباين لا يمكن تفسيره بالظروف وحدها، لأنه يعكس نمطًا في التفكير السياسي يتعامل مع السلطة وفق موقع الحزب منها، لا وفق طبيعتها.

الأمر يتجاوز حدود الممارسة ليمتد إلى الخطاب. استخدام مفردات التخوين في مواجهة الخصوم المدنيين يضع الحزب في موقع أخلاقي هش حين يُستدعى تاريخه في التعامل مع أنظمة أكثر قسوة. الخطاب الذي لا ينسجم مع الممارسة يفقد قدرته على الإقناع، لأن الذاكرة السياسية لا تُمحى بالشعارات.

وفي سياق آخر تبرز مواقف الحزب الإقليمية التي تُقرأ أحيانًا في إطار اصطفافات أيديولوجية تتجاوز الواقع السوداني المباشر. ففي أكثر من موقف أعلن الحزب دعمه لحكومة “الولي الفقيه”. هذه المواقف تفتح باب التساؤل حول مدى ارتباط الخطاب السياسي بتحولات المجتمع، أو استمرار تحركه داخل منظومات فكرية قديمة لا تعكس تعقيدات اللحظة الراهنة.

المحصلة أن المشكلة ليست في موقف واحد أو مرحلة محددة، إنما في تكرار نمط من التباين بين الخطاب والممارسة. هذا التباين يضعف الثقة، ويجعل الحزب يبدو كأنه يتحرك بين موقعين دون أن يستقر في أحدهما: موقع المعارضة الجذرية، وموقع

الفاعل داخل بنية السلطة.

السياسة في جوهرها علاقة مع المجتمع، وهذه العلاقة تقوم على الوضوح والاتساق. حين يغيب الاتساق، يتحول الخطاب إلى صوت مرتفع بلا أثر عميق. القوة السياسية الحقيقية لا تُقاس بحدة اللغة، وإنما بقدرتها على تحويل الموقف إلى فعل متماسك.

يبقى السؤال مفتوحًا: هل يستطيع الحزب أن يعيد قراءة تجربته بعيدًا عن التبرير، وأن يردم الفجوة بين ما يقوله وما يفعله؟ أم يستمر هذا التوتر بوصفه سمة ملازمة لمساره السياسي؟

هذا السؤال لا يخص الحزب وحده، إنما يخص معنى السياسة نفسها في السودان، في لحظة تاريخية تبحث فيها البلاد عن توازن جديد بين الشعارات والواقع.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.