في يومها العالمي: المرأة السودانية بين طاحونة الحرب وعودة الرجم

في يومها العالمي: المرأة السودانية بين طاحونة الحرب وعودة الرجم

 

خالد فضل

 

8 مارس من كل عام هو اليوم الذي خصصته الأمم المتحدة بعنوان “يوم المرأة العالمي”، بقصد التنويه والتنبيه إلى أوضاع النساء في كل العالم وما يواجهنه من تحديات تستوجب التذليل، وعقبات تحول دون نيلهن كامل حقوقهن الإنسانية كبشر أسوياء.

والمرأة السودانية على وجه التحديد تواجه مأساة حقيقية، فهي تدفع الفواتير الباهظة للحرب اللعينة المستمرة للعام الرابع، وتشمل معظم أرجاء البلاد. تدفع النساء الثمن غاليًا بشقيه المعنوي والمادي.

في الجانب المعنوي، المرأة هي أم وأخت وزوجة وابنة للمقاتلين في كل الأطراف، لذلك فإن كل قتيل فيها ممن تعركتهم الحرب يعرك الرحى بثفالها، كما في قول زهير الحكيم: إنما تحس بوجعه النساء لصلة القربى، ينفطر قلبها لخبر الفقد ويكسوها الأسى واللوعة. وبشمول الحرب، عانت نساء كثر في السودان من هذا الوجع المقيم، تنطوي عليه أفئدة ويتغلغل في مسام الروح.

أما الشق المادي من المأساة، فعناوينه الأبرز: النزوح، اللجوء، والشتات الأسري. تتحمل الأمهات والبنات والأخوات أهوال هذا الوضع بجسارة وثبات؛ هنّ العائل والمربي بعد فقد الآباء، هنّ من يعملن لكسب العيش في أوعر الظروف وأخطرها، ثم هنّ من يتحملن وزر الانتهاكات، التي من بينها القتل والاغتصاب وكافة أنواع الانتهاكات. ومع ذلك، تستمر الحياة ويستمر عطاؤهن بسخاء، فكم من أم تتحمل تكاليف الحياة، وكم من زوجة ترعى الأطفال، وكم من شابة تعول أسرة ممتدة، وكم من وفرت لذويها فرص اللحاق بها في المهاجر والمغتربات والتوطين، وكم وكم… ما أعظم ما قدمته النساء السودانيات من تضحيات تستحق حقًا التنويه.

تشير التقارير المحلية والدولية إلى وقوع انتهاكات جسيمة أثناء الحرب ضد النساء، ارتكبتها كل الأطراف الوالغة في القتال بلا استثناء، ووثقت كثير من هذه الحالات. فمن قُتِلْن أو اغتُصِبن أو استُعبِدن جنسيًا أو استُغِللن جسديًا أو صُفّين عرقيًا أو سُجنّ وحُبسن لدى الطرفين الرئيسين في القتال، سجلت ضدهن انتهاكات جسيمة دون شك. ومن حُرِمْن من الرعاية الطبية والصحية والغذاء والعلاج، ومن مُنِعْن من السفر أو من حقهن في الوثائق الثبوتية، أو لُفِق ضدهن التهم الكيدية الباطلة، ومن طُرِدن في المعيشة وسبل كسب العيش أو أُجبرن على خدمة المقاتلين تحت التهديد أو الإغراء، وغير ذلك من ألوان وصنوف الاعتداء على الكرامة الإنسانية، كل هؤلاء نساء سودانيات من بنات هذا الشعب، غضّ النظر عن منحدراتهن العرقية أو مواقفهن السياسية والفكرية.

عطفًا على آثام الحرب وانتهاكاتها، فقد نشرت في الأيام الماضية أخبار عن صدور أحكام بالرجم في حق سيدتين في شرق النيل بالخرطوم والدمازين بولاية النيل الأزرق، والتهمة ضدهما هي الزنا، والعقوبة بموجب قانون العقوبات في الشريعة الإسلامية. هنا تبدو الصورة واضحة وهي العودة الكاملة لأسوأ نماذج القمع والتنكيل بزعم تطبيق الإسلام، وتظهر عورة النظام القضائي المسيس الذي يخضع كليًا لسيطرة وأهواء وفهم جماعات الهوس الإسلامي التي أشعلت الحرب أساسًا من أجل استمرارها في السلطة وحيازة الثروة بعد أن عادت إلى الحكم بانقلاب 25 أكتوبر 2021م. وكادت الخطة السياسية الموسومة بالاتفاق الإطاري أن تستعيد الثورة السودانية وتعيد البلاد إلى مسار الانتقال المدني السلمي الديمقراطي، وقد كان للنساء دور عظيم في تلك الثورة. أرادت جماعات الهوس بمثل هذه الأحكام إشاعة أجواء من الإرهاب الفكري والمعنوي والحطّ من نضالات المرأة وتحجيم دورها الرائد في التغيير. أمر الإسلام والتلفح به بات معلومًا لكل من في رأسه ذرة عقل، وأساليب القمع والقهر باسم الدين خطة فاسدة وطريق وعر سار عليه ويستمر عليه جماعات الهوس والإرهاب، لكن هيهات هيهات أن توقف مثل تلك الأساليب البدائية موجة الوعي العارم بالحقوق. فالمرأة السودانية، وقد خطت خطوات جبارة في سبيل الإنصاف وانتزاع الحقوق كاملة غير منقوصة، لن ترهبها أو توقف مسيرتها أحابيل الضلاليين من عصابات المجرمين.

كل عام والمرأة السودانية على درب الكفاح الواعي، والنصر حليفها ولو كره الإرهابيون.

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.