خطة بولس لإنقاذ السودان.. هل تنجح واشنطن في فرض هدنة المليار ونصف؟
خطة بولس لإنقاذ السودان
هل تنجح واشنطن في فرض هدنة المليار ونصف؟
✍️احمد عثمان محمد المبارك
من قلب معهد دونالد ترامب للسلام في واشنطن، وفي لحظة فارقة من عمر الأزمة السودانية، أطلق مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي، في الثالث من فبراير 2026، صافرة البداية لما وُصف بالمحاولة الدولية الأخيرة لإنهاء الحرب. لم تكن تصريحات بولس مجرد وعود دبلوماسية عابرة، بل جاءت مدعومة بنص نهائي لاتفاق سلام حظي بمباركة الآلية الرباعية الدولية، وحزمة مالية ضخمة تتجاوز المليار ونصف المليار دولار، لتضع طرفي النزاع أمام واقع سياسي واقتصادي جديد لا يمكن تجاوزه.
وتستند هذه الرؤية التي طرحها بولس إلى تكامل دقيق بين العمل الإنساني والضغط السياسي، حيث تقترح خارطة الطريق هدنة إنسانية تبدأ من ثلاثة أشهر وقد تمتد إلى تسعة اشهر، وتتضمن آلية أممية تقنية للإشراف على انسحاب المقاتلين من المدن والمناطق السكنية وتحويلها إلى مناطق آمنة لتدفق الإغاثة. هذا المسار الميداني تسانده رافعة مالية كبرى تهدف إلى جعل السلام خياراً جاذباً، خاصة بعد إعلان مساهمات مالية ضخمة كجزء من التزامات المؤتمر، مما يعطي الخطة ثقلاً تنفيذياً يتجاوز مجرد التوافق الورقي إلى قدرة حقيقية على إعادة تشغيل الخدمات الأساسية للدولة المنهارة.
وقد نجحت هذه التحركات في صياغة إجماع إقليمي نادر بين أطراف الآلية الرباعية، حيث تلاقت مخاوف القاهرة من انهيار المؤسسات الوطنية مع تطلعات أبوظبي لنموذج مدني مستقر بعيد عن التيارات الاسلامية المتطرفة، في حين عملت الرياض كمظلة دبلوماسية عبر منصة جدة لضمان آليات مراقبة صارمة. هذا التناغم الإقليمي يضيق مساحات المناورة أمام القوى الداخلية السودانية التي تجد نفسها اليوم أمام ضغط غير مسبوق؛ فالجيش السوداني، برغم توجسه من المساس بالسيادة أو شرعنة وجود الدعم السريع، يدرك أن المخرج الإنساني بات مطلباً لا يمكن صده، بينما تحاول قوات الدعم السريع استثمار المبادرة للحصول على اعتراف دولي مع المناورة حول تفاصيل الانسحاب الآمن لمقاتليها.
وفي ظل هذا الزخم الدبلوماسي، ينظر الشعب السوداتي في الداخل والخارج الى هدنة مارس المرتقبة كطوق نجاة أخير قبل شبح المجاعة، وسط آمال عريضة بأن تنجح الدبلوماسية المالية والضغط الأمريكي المباشر فيما فشلت فيه المبادرات السابقة. إن آلية مسعد بولس تمثل اليوم الرهان الأكثر جسارة منذ اندلاع الصراع، فهي تنتقل بالملف السوداني من مرحلة تسهيل الحوار إلى مرحلة فرض الإطار الدولي، مما يجعل الأسابيع القليلة القادمة حاسمة في تحديد مصير البلاد؛ فإما عبور نحو تهدئة مستدامة تحت الرعاية الدولية، أو اصطدام جديد بتعقيدات الميدان وحسابات الجنرالات التي قد تعيد السودان إلى المربع الأول وبكلفة إنسانية لا يمكن تحملها.