الهجرة الدولية: تضاعف عدد اللاجئين والمهاجرين السودانيين إلى أوروبا ثلاث مرات
تضاعف عدد السودانيين الوافدين إلى أوروبا ثلاث مرات خلال عام 2025 مقارنة بالفترة نفسها من العام 2024، حسب ما نشرته المنظمة الدولية للهجرة على صفحتها اليومية، يوم الأربعاء 28 يناير 2026. وبلغ إجمالي عدد السودانيين الوافدين إلى أوروبا خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من عام 2025 أكثر من 12,600 شخص. وصل نحو 65% منهم إلى اليونان، و30% إلى إيطاليا، والباقي إلى إسبانيا.
أفادت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة بأن عدد اللاجئين والمهاجرين السودانيين الوافدين إلى أوروبا تضاعف ثلاث مرات خلال الفترة الممتدة بين يناير نوفمبر 2025، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024.
ووفق بيانات المنظمة، وصل أكثر من 155 ألف مهاجر ولاجئ إلى أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط خلال العام الماضي، من بينهم أكثر من 12,600 سوداني خلال الأشهر الإحدى عشرة الأولى من عام 2025. وتوزّع الوافدون السودانيون أساسا بين اليونان (نحو 65%)، وإيطاليا (30%)، فيما توجّه الباقون إلى إسبانيا.
ويأتي هذا الارتفاع في وقتٍ تجاوز فيه عدد النازحين داخلياً واللاجئين خارج السودان عشرة ملايين شخص وفق المنظمة، ما يجعل البلاد بعد ألف يوم من الحرب، واحدة من أكبر بؤر الأزمات الإنسانية في العالم اليوم.
السودان بين الحرب والنزوح: أزمة إنسانية تتجاوز إفريقيا وتطرق أبواب أوروبا
تشهد الهجرة السودانية نحو أوروبا تصاعداً غير مسبوق، في انعكاس مباشر لحربٍ لم تترك للسكان سوى خيارات قاسية: النزوح الداخلي، اللجوء إلى دول الجوار، أو المخاطرة بحياةٍ محفوفة بالموت عبر الصحراء والبحر.
وقد خلّفت الحرب أضراراً كارثية على المدنيين، وقوّضت بشكل شبه كامل الحق في الحياة والأمن. وتشير بيانات النزاعات المتاحة إلى أنه خلال عام 2025 وحده، أسفر العنف المرتبط بالنزاع عن مقتل أكثر من 17 ألف شخص في مختلف أنحاء السودان. ووفق مؤشرات دولية للعام نفسه، صُنّف السودان في المرتبة الثانية بين أخطر النزاعات وأكثرها دموية في العالم، بعد الحرب الروسية – الأوكرانية.
ومنذ اندلاع الحرب في نيسان/أبريل 2023، يُقدَّر إجمالي عدد الضحايا بما لا يقل عن 150 ألف شخص، معظمهم من المدنيين، مع ترجيحات بأن يكون العدد الفعلي أعلى من ذلك بكثير.
في هذا السياق، يقول الباحث المختص بالشؤون الافريقية والكاتب السوداني المقيم في باريس محمد تورشين، في حديث خاص إلى مهاجر نيوز: “شهدت أعداد السودانيين الراغبين في الهجرة إلى أوروبا ارتفاعاً ملحوظاً خلال الفترة الممتدة بين عامي 2000 و2025، إلا أن هذا الارتفاع لم يكن ثابتاً، بل تأثر بعوامل متغيرة عبر الزمن. ويمكن القول إن اندلاع الحرب في السودان في نيسان/ أبريل 2023 شكّل نقطة تحول حاسمة، إذ مثّل صدمة مباشرة انعكست على سلوكيات عدد كبير من المدنيين، خصوصاً في الأشهر الأولى من الصراع.
ويضيف أنه :” في بدايات الحرب، لم يكن كثير من السودانيين يعتقدون أن الصراع سيتحوّل إلى حرب طويلة الأمد أو أن مساراته ستتجه نحو مزيد من التعقيد والدمار. غير أن استمرار القتال، واتساع رقعته، وانسداد الأفق السياسي، دفع شريحة واسعة من السكان إلى إعادة التفكير في خياراتهم، وكان اللجوء والهجرة أحد أبرز هذه الخيارات، خاصة بعد تلاشي الأمل في قرب انتهاء الحرب”.
النساء والأطفال في صدارة حركة الهجرة
ووفقاً للمنظمة الدولية للهجرة، تشكّل النساء نسبة ملحوظة من السودانيين الوافدين إلى اليونان، حيث بلغت نسبتهن نحو 18% من العينة التي شملتها البيانات، في حين لا تتوفر أرقام دقيقة عن نسبتهن من إجمالي عدد الوافدين.
كما تُظهر بيانات صادرة من إيطاليا، رغم عدم إدراجها ضمن العينة الأساسية، وجود نسبة مرتفعة من الأطفال بين الوافدين السودانيين، تُقدَّر بنحو 18%، غالبيتهم من المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عاماً.
أما أسباب الهجرة، فكانت الحرب أو النزاع العامل الأبرز لدى الغالبية الساحقة من الرجال والنساء على حد سواء (99.5% من الرجال و92% من النساء)، تليها دوافع مرتبطة بالعنف الشخصي (8% من الرجال و6% من النساء). في حين أشار عدد محدود من الرجال إلى العوامل الاقتصادية (3%) كسبب إضافي لهجرتهم.
من النزوح الداخلي إلى الهجرة العابرة للقارات
تكشف أرقام المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من 12,600 سوداني وصلوا إلى أوروبا خلال الأشهر الإحدى عشرة الأولى من عام 2025، توزّعوا أساساً بين اليونان وإيطاليا، مع حضور لافت للنساء والأطفال والمراهقين.
ورغم أن هذه الأعداد تبقى محدودة مقارنة بإجمالي عدد النازحين السودانيين، فإنها تعكس تحوّلاً نوعياً في مسار الأزمة، يتمثل في انتقالها من نطاقها المحلي والإقليمي إلى مسارات هجرة بعيدة وخطرة.
ولا يصل السودانيون إلى أوروبا بشكل مباشر، بل بعد سنوات من العبور القسري عبر دول مثل ليبيا ومصر، حيث يقضي كثيرون عاماً أو أكثر في ظروف قاسية وغير إنسانية. وتوثّق المنظمة الدولية للهجرة تعرّض نسبة كبيرة منهم للاحتجاز القسري، والعمل دون أجر، والعنف الجسدي، لا سيما في ليبيا، ما يحوّل رحلة اللجوء إلى سلسلة متواصلة من الانتهاكات.
وفي هذا الإطار، يوضح المختص في الشؤون الإفريقية محمد تورشين لمهاجر نيوز:
“مع مرور الوقت، أصبحت طرق الهجرة، ولا سيما عبر ليبيا، خياراً مطروحاً لدى كثير من الشباب السوداني. فقد اتجه عدد كبير منهم إلى دول الجوار أولاً، ثم واصل بعضهم الرحلة عبر الصحراء الليبية في ظروف شديدة الخطورة، وصولاً إلى السواحل التي تنطلق منها قوارب الهجرة غير النظامية باتجاه أوروبا”.
ويعلق:” هذا المسار لم يكن وليد اللحظة، بل ساهمت فيه عوامل اقتصادية متراكمة، من بينها تدهور الأوضاع المعيشية داخل السودان، وانهيار سعر صرف العملة الوطنية، وتراجع فرص العمل بشكل حاد بسبب الحرب. كما لعبت الأوضاع الاقتصادية الإقليمية دوراً غير مباشر، إذ جعل وجود السودانيين في دول مثل ليبيا الحاجة إلى العمل وتأمين الدخل أمراً ملحّاً، ما دفع البعض إلى المجازفة بالهجرة إلى أوربا، حتى عبر شبكات تهريب غير شرعية تتقاضى مبالغ طائلة مقابل هذه الرحلات الخطرة”.
مستقبل السودان في ضوء هذه الأرقام
حتى الآن، يتركّز تعامل المجتمع الدولي مع الأزمة السودانية على إدارة تداعياتها أكثر من معالجة جذورها. فالمساعدات الإنسانية لا ترقى إلى حجم الكارثة، والمسارات السياسية لا تزال متعثرة، فيما تتحمّل دول الجوار العبء الأكبر دون دعم كافٍ.
ولا تمثّل الأرقام الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة مجرد إحصاءات، بل مؤشرات على مستقبل مقلق: جيل كامل مهدد بالضياع، ودولة تواجه خطر التفكك الاجتماعي، ومنطقة ستواصل دفع ثمن حرب لم يُبذل جهد جاد لإنهائها.
وحول السيناريوهات المستقبلية للسودان في ضوء هذه المعطيات، يقول محمد تورشين:”
على الرغم من وجود أعداد كبيرة من اللاجئين السودانيين في دول مثل مصر، ولا سيما في القاهرة، ورغم ما يُثار أحياناً عن حملات ترحيل أو تضييق، فإن كثيرين يرفضون العودة إلى السودان في ظل استمرار الحرب. كما أن من خاضوا تجربة الهجرة عبر البحر الأبيض المتوسط، أو فقدوا أقاربهم في البحر الأحمر أو المتوسط، يصعب تصور عودتهم في المستقبل القريب”.
وحول هذه الهجرة الواسعة للشباب السوداني يوضح المختص :” تُعد هذه الهجرة استنزافاً خطيراً للقوة البشرية في بلد يُصنَّف أساساً كدولة شابة من حيث التركيبة السكانية. ويؤثر هذا الاستنزاف سلباً على مشاريع التنمية وإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب، إذ إن فقدان الكفاءات والشباب سيضعف قدرة الدولة على النهوض مجدداً”.
وبالتالي يؤثر هذا بلا شك على مستقبل السودان يضيف الباحث :” بالنظر إلى أن عدد سكان السودان يُقدَّر بنحو 50 مليون نسمة، فإن استمرار نزيف الهجرة، لا سيما بين الفئات الشابة، سيؤثر سلباً على النمو السكاني المتوقع وعلى المؤشرات التي تعتمدها المنظمات الدولية المعنية بالتنمية البشرية، ما يضع مستقبل السودان أمام تحديات ديموغرافية واقتصادية عميقة قد تمتد آثارها لعقود قادمة”.
المصدر: مهاجر نيوز