قرادة في جسد الجيش

 قرادة في جسد الجيش

 

حافظ يوسف حمودة

 

كما تلتصق القرادة الخبيثة بجلد ضحيتها ، فتمتص دماءها قطرة قطرة حتى تفنيها او تفنى ، ولا سبيل لفصلها الا بقطع اللحم معها ، هكذا تشبث فكر الاخوان المسلمين بجسد الجيش السوداني النبيل . شربوا من عروقه حتى تغير لونه ، واكلوا من نخاعه حتى تبدل طعمه ، ففقدت تلك القلعة العريقة قوميتها ، واصبحت المعول الذي يهدم اركان الوطن بعد ان سقيت بعقيدة آسنة اسلمتها موارد الهلاك .

في رحاب هذه المؤسسة ، استشرى الفساد كالطاعون ، ونخرت محسوبية الاهل والعشيرة في عظامها ، ومزقت جهوية مقيتة نسيجها المتماسك ، ومع كل ذلك ، انهار صرح الانضباط وتلاشى ظل الحزم العسكري . فتجلى هذا الانهيار في صورة ضابط يشغل منصبا دستوريا ، يطل على الناس مخاطبا وهو يتلعثم بالكلمات من اثر الخمر . وتجسد في فعل آخرين ، جردهم الفكر المنحرف من شرفهم العسكري ، فانتهكوا اعراض مائتي طالبة في “تابت” بشمال دارفور ، في جريمة اهتز لها ضمير العالم ووثقتها المنظمات الدولية .

 هذه الفئة  الضالة الفاجرة  ، حيثما حلوا افسدوا ، واينما وطئوا خربوا قيم المجتمعات واركان الدول .  فأشعلوا هذه الحرب لأنها بيئتهم المثالية في نهب المال العام وتشتيت الناس وإفقارهم حتى لا يفكر أحد في مزاحمتهم في السلطة . ولن يمكن اقتلاع هذا الورم الخبيث الا بعملية جراحية مؤلمة ، تجتثه من الحذور بلا أثر تبقي ، فلا خير في بناء اصبحت اساساته منخورة .

هكذا، يقف الجسد الذي كان يوما سياج الوطن وحاميه على حافة الموت ، يتنفس الصعداء بينما القرادة ما زالت عالقة تكمل وجبتها الاخيرة . ان استئصال هذا الداء هو شرط البقاء الوحيد ، حتى وان كان الثمن قطع اللحم الحي . فاما جراحة تنقذ ما تبقى من روح الوطن ، واما ترك الجسد ليتحلل ببطء ، ليصبح اثرا بعد عين . ان الخلاص لا يكمن فقط في ازالة هذا الالتصاق الخبيث ، وإنما في تطهير الجرح من كل اثر لسمومه ، وبناء صرح جديد على اسس من الوطنية الخالصة والولاء للتراب دون سواه .

لعل في هذه المأساة عبرة لامة تئن تحت وطأة التيارات المتطرفة والمشاريع الايديولوجية التي تستهدف مؤسسات الدولة لتجريدها من مصداقيتها وقدرتها على حماية الشعب ووحدته . فالجيوش — ان فقدت حيادها وانضباطها — تتحول الى وحوش تأكل بني وطنها ، وتدفن معها آمال التحرر والاستقرار. والسودان  بعد ان كان نموذجا للكفاح والوحدة بدأ يدب على ذاكرته السير نحو المجهول ، ما لم يستيقظ ضمير ابنائه ، وينتزعوا القرادة التي تشرب آخر قطرات حياته .

الراكوبة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.