بين الفئران والكيزان
بين الفئران والكيزان
محمد الحسن أحمد
عرفت البشرية استخدام الفئران في الأغراض العلمية والتجارب الدوائية منذ القرن التاسع عشر؛ بغية التوصل لما يفيد الناس. وأُجريت الدراسات المبكرة بشكل أساسي لدراسة تأثيرات الصيام وقياس جودة البروتينات داخل الجسم، ثم تطورت لتصبح عنصراً أساسياً في الأبحاث الطبية، وعلم المناعة، والدراسات الجينية، نظراً للتشابه البيولوجي والوراثي الكبير بينها وبين البشر.
غير أنه ومنذ العام 1989، انقلبت الآية في جمهورية السودان التي احتلتها جماعة “الإسلام السياسي” بقوة السلاح، ومنذ ذلك الحين أضحى المواطن السوداني بمثابة “فأر تجارب” تُكتشف من خلاله أشد الوسائل فتكاً وقتلاً، لتعميم التجربة على جميع أنحاء البلاد، ومن ثم تصديرها للعالم تحت راية “دين الله” المفترى عليه.
جرب الإسلاميون جميع أنواع التفرقة والعنصرية، وحقنوا دماء السودانيين بكل فيروسات الكراهية والفصل والتشريد والقتل، حتى إذا ما أشرق الصبح وهبّ الشعب مقتلِعاً نظامهم، عادوا عبر نافذة الحرب اللعينة لمواصلة بقية تجاربهم، وإفناء ما تبقى من القيم ومن الناس.
وعلى نطاق واسع، تداول ناشطون مقاطع فيديو تظهر نفوق آلاف الفئران على ضفاف النيل، وهو مشهد ظهر للعلن منذ نحو عام بولاية الجزيرة؛ حيث شوهدت الفئران النافقة متناثرة على جداول أراضي مشروع الجزيرة الخالية من المياه. وفي الوقت ذاته، كان موت آلاف السودانيين – وبخاصة في ولايات الخرطوم والنيل الأبيض والجزيرة – بسبب العديد من الأوبئة، مما يثبت أن أمراً جللاً قد حدث، أدى إلى تلوث البيئة وتسارع متغيرات طبيعة الحياة على الناس وبقية الكائنات الحية.
في علم البيئة، تُعرف الفئران بأنها «كائنات إنذار مبكر»، فلا تنفق بشكل جماعي إلا تحت تأثير السموم، أو الغازات، أو المخلفات العسكرية، أو المبيدات. وهنا يتكشف الأمر الجلل الذي أكدته تحقيقات دولية وأمريكية وتقارير علمية، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك استخدام الجيش للأسلحة الكيماوية المحرمة دولياً – أو بشكل أدق غاز الكلور – خلال محاولة استعادة العاصمة الخرطوم من قبضة قوات الدعم السريع.
واللافت – وغير المستغرب – هو التجاهل الرسمي من قبل السلطة التنفيذية العسكرية القائمة، التي لم تُجرِ تحقيقاً حتى اللحظة – ولن تُجريه – بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية وانتشار الأوبئة. والمضحك هو ما صدر عن حكومة ولاية كسلا التي ترى أن الظاهرة مرتبطة فقط بتكاثر الفئران وليس لأي سبب آخر.
إن نفوق الآلاف من الفئران بولايات سنار، والقضارف، والجزيرة، والخرطوم، مؤشر لكارثة محدقة وخطر ماثل يهدد الإنسان والبيئة، وهو واحد من كوارث الحرب العبثية التي لوّثت الأرض، وسَمّمت الماء، ودمرت أبسط قواعد حماية الحياة، وما تلك إلا جريمة حرب بيئية وفقاً للقانون الدولي الإنساني. ولكن “على مَن يقرأ داوود السوداني مزاميره”؟ وقد خلت الساحة لمن أحالوا المواطنين إلى فئران ووقود لاستعادة سلطتهم الغاشمة المجرمة؛ ألا لعنة الله على الكيزان.