من تشويه المهدية إلى حرب الحالية كيف صُنعت الجهوية في السودان؟
من تشويه المهدية إلى حرب الحالية كيف صُنعت الجهوية في السودان؟
أكرم إبراهيم البكرى
لم يكن تشويه تجربة الدولة المهدية، ولا سيما في مرحلتها الأخيرة تحت قيادة عبد الله التعايشي (ود تورشين)، مجرد خطأ تاريخي أو سوء فهم أكاديمي، بل كان تأسيس واعي لبنية خطابية ما تزال فاعلة حتى يوم هذا وتجد تجلياتها المباشرة في الحرب السودانية الراهنة و خطابها الإعلامي.
فالسردية الاستعمارية التي صاغها البريطانيون فى عام 1898 بعد سقوط البقعة عاصمة الدولة المهدية لم تهدف فقط إلى نزع الشرعية عن تجربة المقاومة وطنية، بل إلى إعادة ترتيب الوعي السوداني على أساس جهوي و عنصري واثني يربط العنف و الاستبداد بغرب السودان كجغرافيا ، والدولة والشرعية بالشمال النيلي، وهي ثنائية زائفة يجري اليوم استدعاؤها تماما بمعنى الكلمة في تفسير الحرب الجارية في السودان
تم تقديم الخليفة عبدالله التعايشي في تلك السردي بوصفه حاكم من أبناء الغرب عنصري، معادي للقبائل النيلية، و متحالف اثنيا و عرقيا مع قبائل غرب السودان، في مقابل النخبة نيلية المتحضرة والتى جرى تصويرها لاحقا بوصفها حاملة الدولة والنظام. هذا التقسيم لم يكن توصيف للتاريخ، بل هندسة سياسية للذاكرة، صممت لتفكيك وحدة الأنصار وتحويل الصراع من كونه صراع وطني ضد الغزو الاستعماري إلى صراع داخلي بين أقاليم و هويات،
ولعمري أنه نفس المنطق ذاته الذي تدار به الحرب السودانية اليوم على مستوى الخطاب، لا على مستوى الوقائع فقط.
فالدولة المهدية، من حيث بنيتها، لم تقوم على مشروع قبلي أو جهوي، بل على شرعية دينية عسكرية عابرة للقبائل، تجسدت في مفهوم ( الأنصار ) الجيش المهدوي لم يكن جيش غرب السودان ولا جيش الشمال النيلي، بل جيش رايات، تضم كل راية مقاتلين من أقاليم متعددة يخضعون لقيادة مركزية تستمد شرعيتها من الدولة لا من العصبية. هذا الواقع يتناقض جذريا مع الصورة التي لا تزال تستعاد اليوم في الإعلام السوداني والعربي، حين يصور العنف بوصفه صفة جهوية متأصلة لقبائل محددة ، لا نتاج دولة مركزية فاشلة.
إن مراجعة تكوين الجيش المهدوي تكشف بوضوح أن القبائل النيلية لم تكن خارج منظومة الدولة، بل كانت جزء أصيل منها. فقد شارك الجعليون في صفوف الأنصار بعد انهيار الحكم التركي، وقاتلوا ضمن رايات مختلطة في وسط السودان وشماله، كما شارك الشايقية، رغم تمردهم المبكر، في مراحل لاحقة من عمر الدولة، وكان صدامهم مع سلطة الخليفة صدام سياسي وعسكري مرتبط بالضرائب والتجنيد والسلطة المركزية، لا صراع عرقي كذلك انخرط الرباطاب و المناصير في الجيش المهدوي، وأسهم النوبيون، من دناقلة و محس، في وحدات الملازمية، وهي الأقرب إلى مركز القرار العسكري. هذه الوقائع تُظهر أن معيار القرب أو البعد من الدولة لم يكن الانتماء الجهوي أو العرقي أو الاثني ، بل درجة الولاء السياسي و العقائدي.
بل إن الأكثر دلالة، والذي جرى طمسه عمدا مع سبق الاصرار هي أن أعنف الصراعات التي واجهتها سلطة الخليفة عبد الله لم تكن مع القبائل النيلية، بل مع قبائل غرب السودان نفسها. فقد شهدت دارفور وكردفان صدامات دامية مع الفور، وتمردات متكررة من الرزيقات، ونزاعات داخلية مع بطون القارة الأخرى، رافقتها سياسات قمع وترحيل قسري. أي أن الغرب السودان نفسه لم يكن مستفيد من سلطة الخليفة كما يروّج، بل كان أحد أكثر الأقاليم استنزافا بالعنف، وهو ما يُسقط جذريا أطروحة انحياز الدولة المهدية للغرب ضد الشمال”.
هذا التشويه لم يتوقف عند لحظة سقوط الدولة المهدية على يد حملة كتشنر، بل جرى توريثه داخل الدولة السودانية الحديثة، ثم داخل خطاب النخب والإعلام، ليصبح أحد الأعمدة الخفية للخطاب الجهوي المعاصر. ففي الحرب السودانية الحالية يعاد إنتاج المنطق ذاته بحيث تختزل الأزمة كل الأزمة السودانية الان في جهة متمردة أو إقليم يوصم بالعنف بينما يقدم العنف الصادر من المركز أو من مؤسسات الدولة بوصفه ضرورة أو دفاع عن الدولة
هذا الخطاب لا يشرح الحرب، بل يبررها، تماما كما برر الاستعمار غزوه للسودان بوصفه تحرير من طغيان الخليفة.
الإعلام السوداني، في جزء كبير منه، لا يتعامل مع الحرب بوصفها نتاج انهيار الدولة الوطنية وفشل مشروع ما بعد الاستعمار، بل بوصفها صراع بين سودانيين سودان ينسب ضمنيا إلى الشمال النيلي بوصفه حامل الدولة، سودان آخر يربط بغرب البلاد بوصفه مصدر الفوضى والعنف والاجرام الممنهج . هذا التقسيم هو الامتداد المباشر للسردية التي شيطنت الخليفة عبد الله وربطت الاستبداد بهويته الجهوية، لا بطبيعة الدولة المركزية في ذلك الزمن.
إن خطورة هذا الخطاب لا تكمن فقط في زيفه التاريخي، بل في وظيفته السياسية المعاصرة. فهو يحول الحرب من صراع على السلطة والموارد والدولة إلى صراع هويات، يفرغ النقاش من مضمونه الكامل ، ويمنح أطراف بعينها حصانة أخلاقية لمجرد انتمائها الجهوي. وهكذا تعاد كتابة الحرب في الإعلام لا بوصفها مأساة وطنية شاملة، بل بوصفها انحراف جهوي
نعم هي الصيغة نفسها التي كتبت بها نهاية الدولة المهدية قبل أكثر من قرن.
إن إعادة قراءة تجربة الدولة المهدية، وتفكيك السردية الاستعمارية حول الخليفة عبد الله التعايشي، ليست تمرين في الماضي، بل شرط أساسي ومهم لفهم الحاضر. فالحرب السودانية الراهنة ليست استمرار لصراع تاريخي بين الشمال والغرب، كما يحاول الان ترويجه بل نتيجة مباشرة لدولة ما بعد الاستعمار التي ورثت منطق الإقصاء، و أعادت إنتاجه بلغة وطنية زائفة.
فى خلاصة حديثنا هذا نقول إنه و من دون تفكيك الجذور الفكرية لهذا الخطاب الاستعلائي سيظل الإعلام السوداني شريك في حرب، لا مرآة لها، وستظل الذاكرة السودانية أسيرة تاريخ مشوَّه يستخدم لتبرير القتل بدل منعه.
ولله الامر من قبل ومن بعد