الإسلاميون داخل الجيش السوداني: تسريبات اجتماع ضباط في أم درمان (الحلقة الثانية)

 

الإسلاميون داخل الجيش السوداني: تسريبات اجتماع ضباط في أم درمان (الحلقة الثانية)

د. عبد المنعم همت

ناقش اجتماع الضباط الإسلاميين في أم درمان تكوين الحكومة الحالية ومهامها، مؤكدين أن أداءها يعكس هشاشة الدولة ويشكّل اختراقاً سالباً لتوجهاتها الوطنية. وأشار المجتمعون إلى أن الحكومة ضمّت عناصر تعمل كواجهات لسفارات ودول تسعى إلى زرع الفتن والتأثير في الشأن الداخلي.
وانتقد الاجتماع بشدة أداء د. كامل إدريس، مشيرين إلى فشله في إدارة الملف الوطني، رغم أن أولى مهامه كانت التواصل مع المجتمع الدولي ومنظماته وقطع الطريق أمام تحركات قحت وأذيالها. ووفقاً لما ورد في الاجتماع، أسهم هذا الفشل في إضعاف الحكومة داخلياً وجعلها عاجزةً عن حماية مصالح الدولة.
وكان أداء وزارة الإعلام محور انتقادٍ كبير، حيث وصف الضباط وضع الإعلام الحكومي بالكارثي. وسخر أحدهم من وزير الإعلام الأعيسر قائلاً إن أكبر إنجازاته رجمُ الأصنام، مشيرين إلى أن التلفزيون والإذاعة العامة لم يشهدا أي تحسّن، ولم يقدّما رسائل واضحة للجمهور داخلياً أو خارجياً. كما أن استخدام الحكومة، ممثّلةً في وزارة الإعلام، لغةً ضعيفةً في مخاطبة الخارج انعكس سلباً على صورة البلاد ومصداقيتها.

وأكد الاجتماع ضرورة إعادة هيكلة الإعلام وتعيين كفاءاتٍ وطنيةٍ قادرةٍ على تقديم محتوىً موحّد، والارتقاء بوسائل الإعلام الرسمية لتكون أداةً فاعلةً في مواجهة الخطاب الخارجي والداخلي، بدل حالة الانعكاس السلبي الحالية التي تفتح المجال للاختراق الأجنبي. وتحدّث بعض الضباط عن أن الخطاب الإعلامي بات أقرب إلى العلمانية في مفرداته، في محاولةٍ لإرضاء الغرب.
كما تناول الاجتماع أداء وزير الخارجية، حيث وُصف بالعجز عن أداء دوره في حماية مصالح البلاد في المحافل الدولية، ما زاد من ضعف الحكومة أمام الضغوط الخارجية. ورأى الضباط أن الحكومة تقوم على سياسة الترضيات وتستبعد الكفاءات الوطنية، الأمر الذي سهّل النفوذ الأجنبي عبر وكلاء السفارات والكيانات الخارجية، حسب تعبيرهم.
ورفض المجتمعون فكرة إنشاء مجلسٍ تشريعيٍّ مُعيّن، مؤكدين أنه لن يستطيع القيام بدورٍ وطنيٍّ فعليّ، وسيكون مجرد مساحةٍ للترضيات وتكريس مصالح الأحزاب والكيانات. وأشاروا إلى أنهم رصدوا تحركاتٍ لأحزاب قحت واجتماعاتٍ يعقدها مستشار البرهان علاء الدين مع شخصياتٍ مختلفةٍ بهدف التقارب بين الحكومة وقحت. وأكدوا أن المجلس التشريعي سينتهك سيادة الدولة ويشكّل بوابةً لعودة العملاء والخونة.
ووصف أحد الضباط الحكومة بأنها كالحسناء في المنبت السوء؛ جاذبةً من الخارج، لكنها فاسدةٌ من الداخل، وفاقدةٌ للقدرة على اتخاذ القرارات الوطنية الحاسمة.
وحذّر الاجتماع من أن استمرار هذا التخبط سيقود إلى انهيارٍ شاملٍ واستسلامٍ كاملٍ للغرب، بما يهدد سيادة البلاد واستقرارها السياسي والاجتماعي.

واقترح المجتمعون عدداً من الآليات العملية لمواجهة هذا الواقع:

١. إعادة ترتيب الصفوف داخل القوات المسلحة وفق معايير الولاء الوطني والكفاءة المهنية، مع استبعاد العناصر المنحازة للأجندات الخارجية.

٢. إنشاء وحداتٍ مختصةٍ لمراقبة تأثير وكلاء السفارات والدول الأجنبية على المؤسسات الحكومية والإعلامية.

٣. تطوير الإعلام الرسمي وتعيين كفاءاتٍ وطنيةٍ قادرةٍ على مخاطبة الداخل والخارج بلغةٍ واضحةٍ وحصيفة، مع إنتاج برامج توعويةٍ تعزّز الانتماء الوطني.

٤. وضع آلياتٍ شفافةٍ لتقييم أداء الوزراء وتحديد المسؤوليات، مع القدرة على تصحيح المسار بسرعةٍ عند وجود إخفاقات.

٥. تعزيز التنسيق بين القوات المسلحة والجهات السيادية الأخرى لحماية الدولة من الاختراق الخارجي، وتقديم خططٍ عمليةٍ لمواجهة الفوضى السياسية والإعلامية.

وخلص الاجتماع إلى أن استمرار التراخي وعدم تصحيح مسار الحكومة سيقود البلاد إلى انهيارٍ شامل، ويترك المجال مفتوحاً أمام الغرب للتأثير في السياسات الداخلية، كما سيُضعف القدرة الوطنية على اتخاذ القرارات الحاسمة، ما يجعل حماية الدولة ومؤسساتها مسألةً عاجلةً وحاسمة.

ويبدو أن حالة التململ المتصاعدة وسط الضباط الإسلاميين تعود، في جوهرها، إلى الصراع الداخلي داخل الإسلاميين منذ المفاصلة التي أفرزت المؤتمر الشعبي والمؤتمر الوطني وعدداً من الانشطارات العميقة. أما الصراع بين جناح أحمد هارون وجناح إبراهيم محمود، فقد انعكس مباشرةً على تماسك المشروع السياسي برمته. وقد دفع هذا الواقع الضباط الإسلاميين إلى الدعوة الصريحة لتجاوز القيادات السياسية، انطلاقاً من قناعةٍ راسخةٍ بأن هذه القيادات لا تدرك طبيعة المرحلة ولا حجم المخاطر المحدقة بالدولة، وأن استمرار ارتهان القرار العسكري لتجاذباتها يمثل تهديداً مباشراً لبقاء البلاد واستقرارها. وفي هذا الجانب، يرى هؤلاء الضباط أن العسكريين الإسلاميين يمتلكون القدرة على إدارة الحكم بوصفهم أكثر تماساً مع الواقع وأكثر وعياً بضرورات الأمن والسيادة.
وأشار أحد الضباط إلى أن انشقاقات الإسلاميين وتشتتهم كانت سبباً مباشراً في كوارث وطنيةٍ متلاحقة، مؤكداً أن وحدة الإسلاميين داخل القوات المسلحة تمثل، في نظرهم، صمام الأمان الأخير للدولة في مواجهة التفكك والانهيار. ومن هذا المنطلق، يبرز داخل هذا التيار تصورٌ يعتبر المؤسسة العسكرية المجال الوحيد القادر على استيعاب الخلافات وضبطها ضمن منطق الانضباط، بعيداً عن صراعات السياسة ومغامراتها. وفي الحلقة القادمة ( الحلقة الثالثة ) ، سنعرض رؤية الضباط الإسلاميين تجاه شمس الدين الكباشي ودلالاتها في هذا السياق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.