تحديات تأسيس: الحرب النفسية — هندسة الهزيمة (1): صناعة “الدونية” وصناعة “الخوف”

 

مجدي ماكن

 

الحرب النفسية هندسة الهزيمة “1

صناعة “الدونية” – صناعة “الخوف

التشريح النفسي لعقدة “الأفندي” “الهاوس نيقرو

 

سنحاول في سلسلة مقالات كشف وتفكيك إستراتيجية الكيزان والدولة القديمة في تدمير الصحة النفسية للسودانيين كأحد أهم أدوات وآليات التقسيم والسيطرة Divide and conquer سواء في الأطراف أو المركز. لكن قبل كل شيء لازم نعرف ان ما يُبقي “دولة 56” حية تفرفر اليوم في “أذهان” البعض رغم موتها سريرياً، ليس قوتها الاقتصادية أو العسكرية، او حتى الاجتماعية. بل هو الاثر النفسي المستمر Side effects لممارسات قديمة، مكنتها من التحكم على السودانيين بأدوات غير تقليدية تظهر لهم الواقع على غير حقيقته.

ما سنتحدث عنه يُعرف في العلوم العسكرية والاستخباراتية بـ “حروب الجيل الخامس” Fifth-Generation Warfare، حيث لا تستهدف البندقية جسد العدو، بل تستهدف “إدراكه“.

العدو في هذه الحرب النفسية كان هم كل السودانيين بلا استثناء.

هذه السلسلة هي مسح تحليلي لآليات السيطرة النفسية التي استخدمتها نخب المركز عبر العقود، وكيف تلاعبت الدولة نفسيا بالسودانيين حتى اوصلتهم إلى هذا القاع السحيق من التخلف والدمار.

كما ان هذه السلسلة تتضمن “ترياق” Antidote لفك السحر النفسي. أنصح كل سوداني/ سودانية يبحث عن الخلاص بالتفكير فيما يقرأه بعقل مفتوح. لأن أحد اهم تحديات التأسيس هي الخلاص من الأمراض النفسية لدولة 56.

صناعة “الخوف” و “الاستعلاء

صناعة “الدونية” “الفلاقنة ” و “الهاوس نيقرو

التشريح النفسي لعقدة “الجلابي” “الأفندي” “الخادم

دولة 56 ليست مجرد جيش ومباني؛ ومجموعة طفيليين ومطبلين فقط. بل هي أقرب ل “نظام تشغيل” Operating System، زُرع في عقل الإنسان السوداني اما ليحتقر ذاته، ويخاف من حريته، ويرى في جلاده منقذاً. او ليخاف من أخيه السوداني. ويرفض التعامل معه بندية وإنسانية بدافع الخوف والشك و الاستعلاء المزيف.

في علم النفس الاستعماري، لا تحتاج لأن تضع جندي في كل زاوية لتحكم الشعب؛ يكفي أن تزرع “شرطي” داخل رأس الضحية. تاريخ “دولة 56” في السودان ليس مجرد تاريخ من الانقلابات العسكرية، بل هو تاريخ من “الهندسة الاجتماعية” الممنهجة التي هدفت لشيء واحد، جعل الأغلبية تحتقر ذاتها، وتقدس جلادها، وجعل الأقلية في حالة خوف وذعر دائم من الأغلبية, تحاول ان تخفي ذلك الذعر باستعلاء غير مبرر.

لقد خلقت نخب المركز الشمال النيلي ما نسميه بـ “هرمية التحضر المقلوبة”. في هذا الهرم، يتربع “الأفندي” المتحدث بالعربية بلكنة معينة، لابس البنطلون، الساكن في الخرطوم على القمة، بينما يقبع كل من تمسك بجذوره السودانية/ الأفريقية/ البدوية في القاع.

في أدبيات النظم الشمولية، عندما يفشل النظام في توفير “الرفاهية”، فإنه يلجأ لتوفير “الحماية من الوهم” أي صناعة الخوف. هنا كان الضحايا هم سكان المركز أنفسهم. نظام المؤتمر الوطني و الحركة الإسلامية الإرهابية والأنظمة العسكرية قبله أتقنوا لعبة سيكولوجية قذرة تُعرف بـ “الابتزاز بالخوف”. السردية بسيطة جدا “نحن فاسدون؟ نعم. نحن لصوص؟ حقيقة.

لكننا السد المنيع الذي يحميكم من (الأمكعوك) القادم من الغرب/الجنوب/الخارج.

الاستثمار في الرعب وإدارة التوحش

نموذج تطبيقي: شيطنة “الغرابة” The Alienation of the West

قبل حرب 15 أبريل بسنوات طويلة، وعبر غرف الإعلام الموجه، تم ضخ شائعات وقصص مرعبة عن قبائل غرب السودان. تم ربطهم في الذهنية الجمعية لسكان المدن بـ “النهب”، “الاغتصاب”، و”الهمجية”. في الخرطوم كان هناك من يعتقد بأن سكان غرب السودان يأكلون الناس.!

كما تم ترويج شائعات في الأطراف أيضا تشكك القبائل في بعضها البعض، كما حدث في دارفور حين روجت الاستخبارات العسكرية بداية الثمانينات دعاية “دولة الزغاوة الكبرى” و “دولة العرب الكبرى” في إطار تقسيم سكان الغرب أنفسهم الى عرب/ زرقة و زرع العداوة و البغضاء بينهم.

لماذا؟ لكي عندما تندلع المواجهة “الحتمية”، كما يحدث الآن، لا يرى المواطن في الخرطوم “صراعاً سياسياً” بين تيارين، بل يرى “غزواً بربرياً” يهدد بيته وعرضه. ولا يرى الفلنقاي والهاوس نيقرو في “الآخر” شريك موثوق لبناء دولة العدالة.

هذا التكتيك يحول المواطن من “مطالب بالحقوق” إلى “باحث عن النجاة”، فيلجأ تلقائياً للاحتماء بالجيش الذي هو سبب الكارثة أصلاً، باعتباره “الشر الذي نعرفه أفضل من الخير الذي لا نعرفه“.

يمكن رؤية ذلك في من وصلوا مرحلة الخوف لدرجة لعن ثورة ديسمبر التي صنعت كل هذا “الخراب” من وجهة نظرهم. كما يمكن رؤية ذلك في ضحايا الإبادة الجماعية التي قام بها الجيش في دارفور حين احتموا بالفرقة السادسة مشاة خوفا من الجنجويد.

نموذج تطبيقي: متلازمة “رواندا

ما تفعله أجهزة إعلام دولة 56 الآن يشبه تماماً ما فعلته “إذاعة الألف تلة” في رواندا.

إنهم لا يصفون الدعم السريع كقوة عسكرية متمردة، بل يستخدمون مصطلحات تجردهم من الإنسانية “امكعوك، عرب شتات، عملاء أجانب”. أو لا نريد جريحا أو أسيرا كما كان يقول الجيش عن قوات جبريل ومناوي قبل ان يتم تدجينهم.

في علم النفس الاستعماري هذا يسمى “نزع الصفة البشرية” Dehumanization. عندما تقنع جندياً أو مواطناً أن خصمه ليس بشراً، بل “مرفعين” أو “حشرة” أو “أمكعوك”، فإنك تشرعن ارتكاب أي فظاعة ضده، وتزيل أي وازع أخلاقي. الدولة هنا لا تحارب جيش التمرد فقط، بل تحارب “فكرة التعايش” نفسها، لتضمن أن الكراهية ستستمر لجيلين قادمين، مما يضمن بقاء الجيش كحاكم ضرورة.

لكن لم تكتف دولة 56 بزرع الخوف وسط حواضن نخبها في الشمال والوسط فقط، أو بين القبائل في الأطراف فقط، بل ذهبت الى مرحلة أخرى أكثر خطورة وتعقيدا وهي صناعة “الدونية” “الفلاقنة ” “الهاوس نيقرو

نموذج تطبيقي: الدراما والكوميديا السودانية

لو نظرت بتمعن إلى الأرشيف التلفزيوني والمسرحي السوداني طوال 60 عاماً. كيف تم تصوير “الآخر”؟ تجد ان الشخصية “النوباوية” أو “الجنوبية” أو “الدارفورية” تظهر دائماً في دور الخادم، البواب، الجندي البسيط المطيع، أو البدوي الساذج الذي يُضحك الناس بلكنته المكسرة أو بسذاجته الشديدة.

هذا النموذج منقول بحذافيره من مصر الاستعمارية التي مازلت حتى اليوم تنمط شخصية الإنسان السوداني في قوالب تحط من قدره الإنساني.

في المقابل، شخصية أبن “الشمال/ الوسط” هي دائماً: المدير، الضابط الذكي، الطبيب، والحكيم. تماما كما “محروس” مع “عصمان” في الدراما المصرية. ما تظنه “فناً” بريئاً؛ هو في الحقيقة قصف حربي نفسي، راجمات نفسية أخطر من الكاتيوشا.

عندما يشاهد طفل من الهامش هذا النمط يومياً، تتشكل لديه قناعة لاواعية تقول، “لكي أكون محترماً، يجب أن أنسلخ من جلدي، وأتحدث مثلهم، وأتنكر لقبيلتي”. هنا ولدت “الدونية“.

نموذج تطبيقي: سلاح اللغة “الرطانة

استخدمت الدولة مصطلح “رطانة” لوصف اللغات السودانية الأصيلة التي هي أقدم من اللغة العربية في السودان. كلمة “رطانة” تعني لغوياً “الكلام الذي لا معنى له“.

تخيل أن تقنع إنساناً أن لغة أمه، التي يعبر بها عن مشاعره، هي مجرد “ضجيج” “صخب” بلا معنى! هذه عملية تسمى في علم النفس الاستعماري ب “الإخصاء الثقافي”. تهدف عملية “الإخصاء الثقافي” لإنتاج مسخ مشوه: مواطن يخجل من أصله، وبالتالي يصبح سهل الانقياد لمن يملك “مفاتيح التحضر” المزعوم. وقد وصلنا مرحلة أن يرى الانسان لغته “رطانة” ويقول عنها هو بنفسه بلا وعي “رطانة“.

الخلاصة

المرفعين المتوحش الحقيقي وحشرة الأمكعوك الحقيقية ليس من يحمل السلاح في الأطراف ويطالب بحقة في وطنه، وبالحرية والسلام والعدالة، بل من يجلس في الغرف المكيفة ينسج قصص الرعب ليخيف بها الشعب ليحكمه وينهبه. من يتاجر بعرضك ليحمي كرسيه هو العدو الأول.

الدونية ليست قدراً، بل صناعة تماما مثل الخوف. والخوف طبيعة بشرية حتى الأنبياء كانوا يخافون. سيدنا موسى لما تحولت عصاه الى أفعى “قام صوف”، وسيدنا محمد عندما نزل عليه الوحي أصيب بالخوف

والرعب والذعر وذهب الى خديجة وقال دثريني غطيني. لكن الخوف والشك يجب أن لا يحجب عقولنا من الحقيقة الواضحة، وهي اننا جميعا بشر وسودانيين.

الحقيقة أن ما يجمع بيننا أكبر وأكثر بكثير مما يجمع بين شعوب كثيرة تعيش في وطن واحد و استطاعت كسر حاجز الخوف و الشك.

تحطيم دولة 56 يبدأ بتحطيم هذا الصنم داخلنا، وإدراك أن “الجلابية والعمة” ليست زياً وطنياً موحداً، بل هي زي لثقافة سودانية واحدة حاول بعض وكلاء الاستعمار فرضها بالقوة على شعب متعدد، ليس حبا في تلك الثقافة بل وسيلة للسيطرة على موارد وثروات السودانيين.

التنوع هو الأصل، والمركزية هي الاستثناء. و الوحدانية لله وحده

في الحلقة القادمة:

الحرب النفسية: هندسة الهزيمة “2

فخ “الحياد الأنيق” كيف يخدم المثقفُ الجلادَ؟

أخطر ما في الحروب الوجودية ليس الرصاص، بل “الضباب”. ومن يصنع هذا الضباب في السودان هم طبقة “النخبة المثقفة” التي تدمن الوقوف في المنتصف، مدعية “الموضوعية” و”العقلانية”. هؤلاء ليسوا مجرد جبناء؛ هم “تروس ناعمةمأجورة في ماكينة القمع. وظيفتهم سيكولوجياً هي تمييع الحقيقة Dilution of Truth

حروب الإلهاء: استراتيجية “الإغراق المعلوماتي

في العصر الرقمي، الرقابة لم تعد تعني “منع المعلومة”، بل تعني “إغراقك بالمعلومات التافهة” حتى لا تجد الحقيقة. دولة 56 طورت أدواتها. لم تعد تكتفي بتلفزيون السودان؛ و ساحات الفداء، بل أنشأت “كتائب إلكترونية” (الذباب الإلكتروني) وظيفتها الأساسية هي هندسة اليأس.

#مجدي_ماكن

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.