“معليش.. معليش.. ما عندنا جيش” بين نبوءة شباب ديسمبر ومرآة الواقع المحزن
“معليش.. معليش.. ما عندنا جيش” بين نبوءة شباب ديسمبر ومرآة الواقع المحزن
حسن عبد الرضي
“معليش.. معليش.. ما عندنا جيش”…
لم تكن هذه العبارة مجرّد هتاف عابر أطلقه شباب ثورة ديسمبر في لحظة غضب. بل كانت خلاصة تجربة تاريخية وقراءة مبكّرة للمستقبل؛ كانت إنذارًا عالي الصوت لم يسمعه إلا من امتلك شجاعة مواجهة الحقيقة. الهتاف لم يكن سخرية من وطنهم، بل كان اعترافًا مؤلمًا بأن المؤسسة التي يُفترض أن تحمي الشعب تحوّلت – بفعل التمكين والفساد والتسييس – إلى كيان متورّم على الورق، هشٍّ عند لحظة الاختبار، وعاجزٍ عن أداء مهامّه حين يُطلب منه أن ينهض ليحمي الأرض والناس.
ولأن الحقيقة المرّة عادةً ما تتخفّى خلف الشعارات، فقد وجدنا من يردّ على شباب الثورة حينها بعبارة “جيش واحد شعب واحد”. عبارة جميلة، لكنها لم تكن سوى أمنية معلّقة على باب ثورة تبحث عمّن يصدقها. ولقد كنت — كما ذكرت — من أوائل من قالوا إن شعار “جيش واحد.. شعب واحد..” لن يصمد، لأنه يستند إلى افتراضات لا علاقة لها بواقع الجيش منذ ثلاثة عقود: جيش أُعيدت صياغته ليكون ذراعًا تنظيمية لحزب واحد، وجهازًا لحماية سلطة لا لحماية وطن.
كان شعار شباب ثورة ديسمبر أشبه بالنبوءة التي لم تُصدَّق ثم تحققت. يوم كان شباب ديسمبر يهتفون “معليش.. معليش.. ما عندنا جيش”، كان كثيرون يظنون أن هؤلاء الشباب يبخسون المؤسسة العسكرية حقّها. لكن السنوات الأخيرة كشفت أن الهتاف لم يكن شطحةً ثورية، بل تشخيصًا مبكرًا لمرضٍ عضال ظلّ يُدارى بالتضخيم الإعلامي والأناشيد وبروباغندا “الحماة”.
فالجيش الذي صُنع ليخدم نظامًا لا وطنًا، كان طبيعيًا أن يقف عاجزًا عندما وجد نفسه أمام حرب تحتاج إلى عقيدة، وانضباط، ووضوح، ورؤية وطنية — لا ولاءً سياسيًا ولا صراعات مراكز قوى.
والسؤال المنطقي الذي يحتاج إلى إجابة صادقة هو: لماذا يُطرح افتراض أننا لم نكن نملك جيشًا بالمعنى الحقيقي؟ وليس المقصود أننا بلا قوات أو بلا أفراد. المقصود — كما قصد شباب الثورة — أننا بلا جيش مؤسسي، بلا عقيدة وطنية جامعة، بلا سلاسل قيادة محترفة، وبلا استقلالية عن الأهواء السياسية. فالجيش الذي ينشغل بحراسة القصور وتأمين النخب وتوزيع الامتيازات، ولا يسمح بقيادة مهنية خارج مظلة الولاء السياسي، لن يكون قادرًا على حماية الحدود ولا المدن ولا المدنيين.
ومن المؤكد أن كاتب المقال يمكن أن يطرح الموضوع “بقلب قوي” ويستطيع أن يقول إن الجيش قد جرى تدميره — منهجيًا — عبر التمكين الذي أزاح الضباط المحترفين واستبدلهم بالكادر التنظيمي. وعبر اقتصاد العسكر الذي نقل البندقية من وظيفة حماية الدولة إلى حماية الشركات. وعبر تعدد الجيوش الذي شجّعه النظام السابق حتى فقد الجيش وحدته وهيبته. وعبر تسييس العقيدة القتالية وربطها بأيديولوجيا التنظيم الحاكم.
وهكذا أصبح الجيش — كما قال الشباب — “مجرد اسم”، وورقةً مشتعلة لا تقدّم حماية ولا تنتصر في حرب.
لكل ما تقدّم، فقد جاز لنا أن ندعو إلى صمت من يقولون “جيش واحد شعب واحد”. لقد جاء الوقت الذي يصمت فيه — وإلى الأبد — أصحاب الشعار، كما يظهر للعيان، الآن، أنهم قد تراجعوا كثيرًا عنه، لأن الواقع صفعهم بقوة. إذ كيف يمكن ترديد هذا الشعار بينما قيادات عليا ترفض الإصلاح؟ ورموز النظام القديم يسيطرون على المشهد السياسي والعسكري بلا خجل؟ وملفات الفساد العسكري تُغلق بدل محاسبة المتورطين؟ والحرب تكشف هشاشة المنظومة من أول صدمة؟
فإن شعار “جيش واحد.. شعب واحد” كان ممكنًا لو توفرت شروط الدولة الحديثة: جيش قومي، مُبعَد عن السياسة، خاضع للمساءلة، وقادر على حماية شعبه. لكن الشعار تحوّل إلى مجرد أمنية، وسقط عندما سقطت الأقنعة.
إن ثورة ديسمبر المجيدة كانت اللحظة التي كان ينبغي أن نستمع فيها — لكننا لم نفعل. كان يجب أن نستمع إلى أصوات الشباب. كان يجب أن نفهم أن الهتاف لم يكن عداءً للجيش كمؤسسة، بل عداءً لزيف المؤسسة كما صُنعت تحت سلطة التمكين. كان يجب أن ندرك أن بناء الجيش يبدأ بإعادة تعريفه لا بترديد الشعارات حوله.
لقد كتب كثيرون محذّرين من انتظار “النصر” من جيش لم يُهَيَّأ للنصر. لكن التحذيرات ضاعت وسط ضجيج الإعلام، ووسط الكسل السياسي الذي ظنّ أن المؤسسة — مهما أصابها — ستقفز لحماية الدولة عند أول اختبار. فإذا بالاختبار يعرّي الجميع، ويكشف أن كل شيء كان مجرد وهم.
ماذا يعني شعار “معليش.. ما عندنا جيش” اليوم؟
اليوم، بعد أن رأينا الخراب، وبعد أن دفع الشعب أثمانًا باهظة، أصبح الشعار واجبًا وطنيًا لا مجرد تذمرٍ ثوري.
“ما عندنا جيش” تعني ببساطة أننا لا نملك جيشًا بالمعايير التي تستحقها دولة عظيمة مثل السودان. وتعني أيضًا أننا نملك فرصة لبناء جيش حقيقي — لأول مرة — إن امتلكنا الشجاعة لقول الحقيقة. إذ لا مستقبل بلا جيش قومي محترف. ولا حرب يجب أن تستمر، ولا فوضى تليق بنا، ولا دولة تستطيع النهوض إذا لم نبنِ جيشًا جديدًا، لا ترميمًا لقديمٍ متصدّع.
فجيش واحد؟ نعم. لكن جيش مهني، موحّد، محايد سياسيًا، خاضع لدستور مدني، وجزء من مشروع دولة لا مشروع أشخاص أو أحزاب.
فالشباب لم يكونوا يهينون وطنهم. بل كانوا يحمونه.
لم يكونوا يتطاولون على الجيش. إنما كانوا ينبهون إلى أنه خُطف من بين أيدي الشعب.
ولو كنا استمعنا مبكرًا، لكان الطريق أقل دمًا وأقل ألمًا.
ختامًا، إن الهتاف الذي استُهين به ذات يوم، صار اليوم الحقيقة التي نعيد اكتشافها.
وصار لزامًا علينا أن نعترف بما قاله شباب ديسمبر بشجاعة: أن المعركة ليست مع الجيش… بل من أجل أن يكون لدينا جيش بحق.
وما لم نبدأ من هذه الحقيقة، فلن نخرج من الحلقة المفرغة التي حطمت البلاد… ولا ندري إلى متى ستظل تحطّم فينا.