مرافعة الاقرع: حول مشاركة الإسلاميين في العملية السياسية.. محاولة تبييض السجل الأسود
مرافعة الاقرع: حول مشاركة الإسلاميين في العملية السياسية.. محاولة تبييض السجل الأسود
محمد الهادي
مؤخرا بدأت تعلو بعض الأصوات الداعية إلى ضرورة إشراك الحركة الإسلامية في أي عملية سياسية تلي الحرب، وتمتد هذه الدعوة لتشمل المرحلة التي تسبق الانتقال، وفترة الانتقال نفسها، تحت ذرائع تتراوح بين الواقعية السياسية، ورفض الإقصاء، والخوف من تفجير صراعات جديدة، وهذه الأصوات تصدر في الغالب من دوائر محسوبة على التيار الداعم للحرب، الذي ظل يقدم نفسه منذ اندلاعها باعتباره منحازا إلى “الدولة” ومؤسساتها، لا إلى مشروع أيديولوجي بعينه، ويأتي مقال معتصم الأقرع في هذا السياق تحديدا، بوصفه محاولة لتأطير هذا التوجه داخل خطاب فكري وأخلاقي، يستند إلى مفاهيم الديمقراطية وحرية التعبير ورفض الإقصاء السياسي، غير أن هذا الخطاب، عند تفكيكه ووضعه في سياقه التاريخي والسياسي، يكشف عن إشكاليات عميقة تتجاوز مسألة المشاركة من حيث المبدأ، وتمس جوهر الصراع الدائر اليوم، وحدود العدالة، وطبيعة الانتقال المنشود بعد الحرب وحمايته.
المرافعة التي كتبها الأقرع حول ضرورة مشاركة الإسلاميين، لا تمثل نقاشا فكريا حول الديمقراطية، ولا حتى محاولة جادة لمقاربة سؤال المشاركة السياسية، إنها، ببساطة، لحظة انتقال واضحة في خطاب التيار الذي دعم الحرب تحت لافتة “مؤسسة الجيش الوطني” ثم وجد نفسه في ورطة، بعد أن طال أمد الحرب وتكشفت الحقائق، وأصبح في حاجة دائمة لأن يعدل شعاراته وخطابه بالتدريج مع كل مرحلة، حتى انتهى به الحال إلى الدفاع الصريح عن إعادة دمج الحركة الإسلامية في المجال العام، وكأنما الحرب الجارية الآن ليست امتدادا مباشرا لمشروعهم القديم!.
فمنذ اليوم الأول للحرب، كان هذا التيار حريصاً على التمييز بين الجيش وبين الإسلاميين، ليبرر موقفه الداعم للحرب باعتباره “انحيازا للدولة”، ولكن بعدما اتضحت سيطرة الإسلاميين على أجهزة التعبئة والقرار العسكري والإعلام، لجأوا لتغيير الخطاب بشكل تدريجي، أولا الجيش ليس الإسلاميين، ثم الإسلاميون مكون لا يمكن تجاهله، ثم أخيرا يأتي مقال الأقرع ليجاهر بأن حظر الإسلاميين فعل غير ديمقراطي وخطر على المجتمع، وهذا الانتقال يأتي في إطار البحث عن حاجة سياسية لتوفير مخرج نظري يضمن استمرار دعم الحرب، أو عودة الإسلاميين مجددا.
الأقرع يتحدث عن الإسلاميين كما لو كانوا حزبا مدنيا عاديا خسر الانتخابات وينتظر دوره في التداول السلمي، ويتجاهل عمداً أنهم أحد أطراف الحرب اليوم، وأن خطاب التعبئة الجهادية يخرج من بين صفوفهم، وأن قياداتهم تدير غرف العمليات، وأن الحرب نفسها ليست سوى محاولة جديدة لحماية نفوذهم وإعادة تشكيل الدولة وفقاً لتصوراتهم!!. فكيف يمكن، في سياق كهذا، الحديث عن دمج طرف مسلح يخوض صراعا عسكريا ويستثمر في العنف السياسي؟ فالديمقراطية ليست عملية بلا ذاكرة، ولا يمكن أن تستوعب قوة سياسية ما دامت تحمل السلاح وتستخدمه لفرض شروطها.
ولإعادة تلميع الصورة، يلجأ الأقرع إلى حيلة قديمة، “مساواة الجميع بالجميع”، فيضع الإسلاميين والجنجويد والقوى المدنية في سلة واحدة، ليخرج بخلاصة مريحة مفادها أن “الجميع أخطأوا” ولا يحق لأحد إقصاء أحد، وفي هذا التعميم تختفي الحقائق الكبرى، ويتجاهل الاقرع، من نفذ انقلاب 1989؟ من حكم ثلاثين عاماً؟ من بنى منظومة أمنية وميليشياوية ضخمة؟ من مزّق الدولة؟ ومن يقود جزءا مركزيا من الحرب اليوم؟ فالمساواة هنا تاتي كمحاولة لتخفيف وطأة الجرائم بإغراقها في بحر من الاستثناءات.
ويحاول الأقرع كذلك أن يستعير تجارب تركيا والمغرب لإثبات أن دمج الإسلاميين ممكن، لكنه يتجاهل أن الإسلاميين في السودان لم يأتوا عبر الانتخابات بل عبر الدبابة، وأن تجربة تركيا نفسها انزلقت نحو السلطوية، وأن السياق المغربي قائم على هندسة ملكية لا علاقة لها بالفوضى السودانية، وما يقترحه الأقرع هنا، عبارة تبرير مسبق لعودة تيار يشارك اليوم في الحرب الأهلية.
وتبدو المفارقة أكبر حين يحاول تحويل النقاش من سؤال العدالة إلى سؤال الحريات، وكأن مطالب ضحايا ثلاثين عاماً من القمع والفساد والقتل تتلخص فقط في “رغبة إقصائية”، وهنا يستخدم فولتير وروزا لوكسمبورغ وفاروفاكيس ليزين الفكرة، لكنه يتجاهل أن الحريات نفسها لا معنى لها دون مساءلة، وأن الديمقراطية تبدأ من مواجهة الحقيقة، لا من دفنها تحت شعارات حرية التعبير، وقبل الحديث عن حرية الإسلاميين في المشاركة، هناك تساؤلات ملحة.. هل توقفوا عن خوض الحرب؟ وهل قبلوا بقواعد اللعبة الديمقراطية التي يتحدث عنها؟ وهل اعترفوا بجريمة الدولة التي بنوها؟
قبل أي حديث عن الدمج أو المشاركة أو الحريات، لا بد من التوقف عند سجل الحركة الإسلامية في الحكم والحرب، فمن الضروري، في مواجهة هذا الخطاب، تذكير الرأي العام بسجل الحركة الإسلامية في السودان بوصفه سجلا سياسيا وعمليا لا يمكن القفز عليه، فقد بدأت تجربة الحركة الاسلامية في الحكم بانقلاب عسكري في عام 1989 أطاح بحكومة مدنية منتخبة، وأغلق مسار التطور الديمقراطي بالقوة، ثم شرعت في إقصاء القوى السياسية والنقابية والمجتمعية كافة، مستخدمة أدوات القمع والترهيب من اعتقالات وتعذيب وتشريد، لتكريس دولة الحزب الواحد، وفي موازاة ذلك، أشعلت حروباً داخلية واسعة ضد مكونات سودانية لم تتوافق ثقافيا أو سياسيا مع تصورها الأيديولوجي للدولة، وعلى إثر ذلك إنفصل الجنوب، وكان أبرز ما ارتكبته من جرائم واسعة النطاق في جبال النوبة والنيل الأزرق، شملت القصف الجوي المتعمد للمدنيين، وسياسات التجويع والحصار، والاستهداف المنهجي للسكان على أساس الهوية والانتماء، وفي دارفور، ارتكبت السلطة الإسلامية جرائم ترقى إلى الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية، عبر تسليح الميليشيات، وتنفيذ حملات قتل جماعي وتهجير قسري واغتصاب وتدمير القرى، وهي الجرائم التي وثقتها منظمات دولية وأفضت إلى ملاحقات قضائية دولية، وخلال سنوات حكمها، دمرت الحركة الإسلامية مؤسسات الدولة تدميرا منهجيا عبر التمكين والفساد، ونهبت الموارد العامة، وأقامت اقتصادا موازيا خارج الرقابة، كما أسست ورعت ميليشيات متعددة، من بينها قوات الدعم السريع نفسها، التي خرجت من رحم سياساتها الأمنية والعسكرية، وانتهى هذا المسار بإسهام مباشر في إشعال الحرب الحالية، في محاولة لاسترداد السلطة بالقوة بعد فقدانها سياسيا، هذا السجل، بكل ما فيه من جرائم وانتهاكات جسيمة، هو جوهر النقاش الحقيقي، ولا يمكن تجاوزه بالحديث المجرد عن الحريات أو الدمج السياسي.
إن الدعوة إلى منع الحركة الإسلامية من المشاركة في الفترة الانتقالية لا تنطلق من الخصومة الآيديولوجية ولا من نزعة إقصائية، بل من ضرورات حماية الانتقال نفسه، فالحركة الإسلامية ليست فاعلا سياسيا عاديا، فهي طرف تحمل مسؤولية تاريخية عن تقويض الديمقراطية والانقلاب على الحكم المدني، وهو سجل معروف وموثق لا يحتاج إلى إعادة تفصيل. وقد جاءت ثورة ديسمبر بمطالب واضحة عبر عنها الشارع السوداني، وكان في مقدمتها تفكيك بنية النظام الذي حكم باسم الحركة الإسلامية وإبعاد رموزه وشبكاته من إدارة المرحلة الانتقالية، باعتبار ذلك شرطا أساسيا لعدم إعادة إنتاج الأزمة، وتزداد مشروعية هذا المنع بعد محاولة الحركة الإسلامية العودة إلى السلطة عبر الحرب المدمرة، لا من خلال الاعتراف بالأخطاء أو الالتزام بقواعد العمل السياسي السلمي، الأمر الذي يجعل إشراكها في الانتقال بمثابة مكافأة مباشرة على العنف وما نتج عنه من أوضاع كارثية على البلاد.
وتؤكد تجارب الانتقال في دول أخرى أن تحييد القوى المتورطة في تقويض النظام الديمقراطي خلال الفترة الانتقالية ممارسة شائعة ومشروعة، هدفت إلى حماية التحول ومنع تخريبه من الداخل، لا إلى مصادرة الحق السياسي إلى الأبد، وعليه، فإن منع الحركة الإسلامية من المشاركة في الفترة الانتقالية لا يتناقض مع الديمقراطية، بل ينسجم مع منطق العدالة السياسية ومتطلبات بناء دولة جديدة على أسس مختلفة.
وفي نهاية المطاف، ما يقدمه الأقرع لا يمكن وضعه في خانة الدفاع عن الديمقراطية ولا عن حق المخالف، بل يجب التعامل معه كمحاولة للدفاع عن مشروع سياسي مأزوم يريد أن يجد لنفسه مكانا في مرحلة ما بعد الحرب، وإن كل هذا الجهد النظري ليس سوى عملية إعادة تدوير لتيار يحاول الظهور في ثوب “المظلوم” بعد أن كان الجلاد الأكبر، ومحاولة لمنح الحرب غطاءً أخلاقياً جديداً بعد سقوط خطاب ” مؤسسة الجيش الوطني”.
المجتمع لا يحتاج إلى دروس في التسامح من تيار لم يتراجع عن مشروعه يوما، ولا يمكن تحميل الضحايا مسؤولية الانقسام لأنهم يطالبون بالعدالة، ما يستحق النقد ليس الدعوة إلى مساءلة الإسلاميين، بل محاولة تجريد المجتمع من حقه في هذه المساءلة باسم الفلسفة وباسم الديمقراطية، فالتاريخ لا يعاد كتابته بهذه السهولة، ولا يمكن لمن أشعلوا الحرب أن يعودوا عبر بوابة “حرية التعبير” قبل أن يواجهوا الحقيقة كاملة.