واشنطن تطالب الجيش السوداني بالاعتراف الفوري بجرائم الأسلحة الكيميائية
الخارجية الأميركية تطالب البرهان بالتوقف الفوري عن أي استخدام آخر للأسلحة الكيميائية والتعاون الكامل مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية للتحقيق.
واشنطن – طالبت وزارة الخارجية الأميركية، الخميس، السلطة القائمة في بورتسودان بـ”الاعتراف فورا” باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب المستمرة منذ منتصف أبريل 2023، كما شددت على ضرورة التوقف الفوري عن أي استخدام آخر لهذه الأسلحة، والتعاون الكامل مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية للتحقيق في الانتهاكات الموثقة، مما يمثل تصعيدا دبلوماسيا جديدا ولافتا يعكس خطورة الاتهامات الموجهة للجيش السوداني وتزايد الأدلة التي تدعمها.
ونشرت إدارة الشؤون الأفريقية بالخارجية الأميركية، عبر حسابها الرسمي على منصة إكس، رسالة مباشرة تحمل لهجة حاسمة، جاء فيها بوضوح “على حكومة السودان الاعتراف فورا بانتهاكاتها، ووقف أي استخدام آخر للأسلحة الكيميائية، والتعاون الكامل مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية“.
ولا يقتصر هذا التصريح على التنديد، بل يرفع سقف المطالب إلى مستوى الاعتراف الرسمي بالانتهاك، ويأتي في إطار حملة ضغط دولية متزايدة على السلطات السودانية.
وقد سبق للولايات المتحدة أن فرضت، في مايو الماضي، عقوبات على قائد الجيش عبدالفتاح البرهان بعد ثبوت استخدام أسلحة كيميائية في عام 2024، إذ أعلنت الحكومة الأميركية في إشعار نشرته حينها في السجل الفدرالي أن العقوبات التي تشمل قيودا على الصادرات الأميركية ومبيعات الأسلحة والتمويل لحكومة الخرطوم، ستظل سارية لعام على الأقل، كما أضافت أن المساعدات المقدمة للسودان ستتوقف “باستثناء المساعدات الإنسانية العاجلة والمواد الغذائية وغيرها من السلع الزراعية والمنتجات”، ومع ذلك، صدرت إعفاءات جزئية عن بعض الإجراءات لأن ذلك “ضروري لمصالح الأمن القومي للولايات المتحدة“.
وتتزامن هذه المطالبة بالاعتراف بانتهاك الأسلحة الكيميائية مع ضغط أميركي متواصل لوقف القتال دون شروط، حيث دعا مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس، الأربعاء، الجيش السوداني وقوات الدعم السريع للالتزام بهدنة إنسانية دون شروط مسبقة.
وجاء ذلك في تدوينة لبولس على منصة إكس، وذلك بعد اشتراط وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم، في وقت سابق الأربعاء، وجوب تنفيذ بنود “اتفاق جدة” قبل الاتفاق على أي وقف لإطلاق النار مع قوات الدعم السريع، كما اشترط سالم خلال
مؤتمر صحفي بمدينة بورتسودان (شمال شرق) ضرورة انسحاب قوات الدعم السريع من المدن السودانية وفك الحصار عنها.
وفي تدوينته، كتب بولس “أقدّر فرصة اللقاء بكل من نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الإماراتي عبدالله بن زايد آل نهيان، ومستشار الأمن الوطني طحنون بن زايد آل نهيان، والمستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة أنور قرقاش، بينما نعمل معا ومع شركائنا في مجموعة الرباعية، للدفع بشكل عاجل نحو السلام وتقديم المساعدات الإنسانية في السودان“.
وأضاف بولس “نتوقع من قوات الدعم السريع والجيش السوداني الالتزام بوقف إنساني لإطلاق النار دون شروط مسبقة، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية بشكل كامل وآمن ودون عوائق”، مشددا على أن “الهدنة ضرورية لإنقاذ الأرواح وتمثل خطوة حاسمة نحو حوار مستدام، وانتقال إلى الحكم المدني، وسلام دائم لشعب السودان“.
وفي سبتمبر 2025، طرحت الرباعية الدولية (الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات) خطة تدعو إلى هدنة إنسانية بالسودان لمدة 3 أشهر، تمهيدا لوقف دائم للحرب، ثم عملية انتقالية جامعة خلال 9 أشهر، تقود نحو حكومة مدنية مستقلة.
وأعلنت قوات الدعم السريع عن موافقتها على مبادرة الرباعية، في المقابل تحفظ البرهان على خطة الرباعية التي قدمها بولس بداعي أنها “تلغي وجود الجيش، وتحل الأجهزة الأمنية، وتبقي الميليشيا المتمردة في مناطقها” التي احتلتها، فيما طالبت الحكومة السودانية الوقت ذاته بالتفاوض وفقا لخريطة طريق قدمتها الخرطوم للأمم المتحدة، مشترطة انسحاب قوات الدعم السريع من المدن والمنشآت المدنية كافة.
وفي خطوة لإحراج الجيش السوداني أكثر أمام المجتمع الدولي، أعلن قائد قوات الدعم السريع مؤخرا عن استعداده لهدنة من جانب واحد، في ظل تراجع ميداني صعب للغاية للجيش السوداني، حيث خسر في 26 أكتوبر مدينة الفاشر بعد حصار طويل من جانب قوات الدعم السريع التي باتت تسيطر على كل غرب السودان، كما امتدت المعارك لصالح الدعم السريع من إقليم دارفور إلى منطقة كردفان المجاورة، مما يعزز موقع الدعم السريع التفاوضي ويقلل من نفوذ البرهان على الأرض.
ويتزامن الضغط الدبلوماسي مع تحركات مكثفة في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مقرها لاهاي، حيث أعلنت المنظمة الثلاثاء أن الأمانة الفنية تواصل متابعة الأنباء الواردة حول استخدام أسلحة كيميائية بالسودان.
وفي افتتاح الدورة، قال أفرناندو أرياس، المدير العام للمنظمة “نراقب الوضع في السودان عن كثب، حيث تشكّل الحرب الأهلية مصدر قلق بالغ“.
وقبل انعقاد الدورة 109 للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في يوليو، ناشدت ثلاث دول أفريقية هي بنين وتشاد وموريتانيا، بدعم من غينيا بيساو، المنظمة، مطالبة السودان بتقديم توضيحات بشأن مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية.
وعززت هذه المناشدة الأفريقية الموقف الدولي المطالب بالتحقيق، وجاءت بعد أن أصدرت دولة تشاد مذكرة رسمية موجهة إلى المنظمة تطالب فيها بفتح تحقيق شامل حول استخدام الجيش السوداني للأسلحة المحرمة دوليا، مما عزز الضغوط على الخرطوم في المحافل الدولية.
وأكد السفير الأميركي لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في أكتوبر أن الاتهامات الموجهة للجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 تستند إلى “أسس قوية”، وهو تأكيد يشير إلى توفر أدلة استخباراتية ومعلومات موثوقة لدى واشنطن تفوق مستوى “المزاعم“.
وبالفعل، تحققت منظمة “هيومن رايتس ووتش” بشكل مستقل من صور ومقاطع فيديو نشرتها وحدة خاصة في شبكة “فرانس 24″، والتي أظهرت استخدام الجيش السوداني لمادة الكلور المحرمة دوليا كسلاح بموجب اتفاقية الأسلحة الكيميائية.
واعتبرت المنظمة أن هذا الاستخدام يشكل “جريمة حرب وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية”، داعية المجتمع الدولي إلى التحرك الفوري لمحاسبة المسؤولين.
وكانت صحيفة “نيويورك تايمز” ذكرت في يناير الماضي أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية مرتين على الأقل في مناطق نائية خلال حربه مع قوات الدعم السريع، ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين لم تكشف هوياتهم أن السلاح المستخدم يبدو أنه غاز الكلور الذي يمكن أن يسبب ألما شديدا في الجهاز التنفسي وصولا إلى الموت، في المقابل، نفت
الخرطوم بشكل قاطع استخدام أسلحة كيميائية.
ومنذ بداية عام 2025، ربط مختصون بين عدد من الظواهر الصحية والبيئية في السودان وبين وجود تلوث كيميائي، خصوصا في الخرطوم ووسط السودان وشمال دارفور، وشملت هذه المؤشرات حالات مرضية غير مألوفة وتغيرات بيئية أثارت مخاوف من استخدام مواد محظورة في العمليات العسكرية، مما دفع منظمات حقوقية إلى المطالبة بتحقيقات عاجلة.
واندلعت الحرب في السودان منتصف أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، وأسفرت عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد 13 مليونا فر منهم أربعة ملايين إلى الخارج، فضلا عن أزمة إنسانية تعدّ الأسوأ في العالم وفق الأمم المتحدة، مما يضع اتهام استخدام الأسلحة الكيميائية في إطار كارثة إنسانية متفاقمة.
العرب