الزين عبد العزيز يكتب: السودان… وعي جديد بصناعة السلام
السودان… وعي جديد بصناعة السلام
بقلم الزين عبدالعزيز يونس
عندما يجتمع وعي المواطن مع ارادة الدولة يصبح السلام خياراً واقعيا وملموساً وليس مجرد حلم، فنجد أن رواندا بعد الإبادة الجماعية في 1994 حيث تحقق السلام فيها عبر تعاون الدولة والمجتمع معاً على مرتكزاة ثلاث وعي الأرض في حماية الموارد والبنية ووعي الإنسان بالعدالة والمصالحة الوطنية ووعي الدولة سياسة الوحدة الوطنية تمنع عودة الصراع هذا نموذجاً يمكن أن نستلهمه في لحظات الانعطاف الكبرى، لا تحتاج الأوطانُ إلى خطابٍ يعلو على الجراح بقدر ما تحتاج إلى وعيٍ يعترف بالألم ويحوّله إلى قوة. والسودان اليوم يقف في واحدة من أهم هذه اللحظات، حيث تتقاطع إرادة الحياة مع ضرورة إنهاء الصراع، وحيث يفرض المستقبل سؤالاً لا يمكن تجاهله: إلى أين نمضي؟
لقد أثبتت التجربة السودانية – رغم قسوتها – أن الإنسان هنا أكبر من الحرب، وأن الأرض التي أنجبت التاريخ ليست أرضًا للقطيعة، وأن الماء الذي يجري في النيل لا يُفرّق بين جهة وأخرى. لهذا تبدو الدعوة إلى السلام ليست مجرد خيار سياسي، بل واجب وطني وأخلاقي ومجتمعي يبدأ من داخل الفرد ويمتد إلى فضاء الوطن كله.
وتحضرني هنا تجربة الجزائر التي شهدت في التسعينيات في القرن الماضي واحدة من أعنف مراحلها التاريخية عرفت بالعشرية السوداء اودت بحياة الآلاف ومزقت النسيج الاجتماعي ومع ذلك استطاعت أن تعبر هذه المرحلة عبر مسار وطني اطلق عليه قانون الوئام المدني ( 1999) وميثاق السلم والمصالحة الوطنية 2005 وهما تجربتان اصبحا نموذجاً يدرس عالمياً للخروج من الحرب إلى الإستقرار. فما الذي يمكن أن يستلهمه السودانيين جاء في محاور الوئام عبارة تثبيت خطاب لاغالب ولا مغلوب الغالب الوحيد هو الوطن على هذه القاهدة يمكننا أن نبني المصالحة الوطنية،وهذه التجربة في نظري لم تنجح فقط بالقانون بل بوعي المجتمع بدوره في حماية الأرض والماء والانسان.
وعي الأرض… حيث تبدأ الحكاية
الأرض في السودان ليست مجرد تراب. هي ذاكرة، وهوية، وبيتٌ للجدود. حين يتأمل السودانِي أرضه يدرك أن الصراع – أيًّا كان اسمه – لا يضيف إلا خرابًا فوق خراب، وأن الأمن الذي يضمنه السلام هو وحده ما يكفل حرثًا مباركًا، وبناءً مستمرًا، وعودةً للبيوت التي هجّرتها الفتنة.
إن استعادة معنى الأرض في الوعي الجمعي هي الخطوة الأولى نحو الخروج من دائرة الاحتراب، لأن من يحب الأرض لا يدمرها.
وعي الماء… شريان الحياة
النيل، بما يحمله من رسائل صامتة، يُذكّر السودانيين كل يوم أن الحياة أقوى من الفوضى. الماء لا يختار طرفًا، ولا ينحاز إلى قوة. هو رمزٌ للعدل الطبيعي.
ولهذا فإن من يريد مستقبل السودان عليه أن ينظر إلى الماء كما ينظر إلى نفسه: مجرى واحد، يقوم على التشارك لا على التناحر.
إن حماية موارد السودان، واستثمارها بعقل، والحرص على أن تُصبّ خيرًا في حياة المواطن، هي جزء من معادلة السلام الدائم.
وعي الإنسان… الركيزة التي لا تستغني عنها الأوطان
قد يختلف السودانيون في الرؤى، في الأفكار، أو حتى في الطرق التي يقترحونها للخروج من الأزمة، ولكنهم يجتمعون على شيء واحد: أن الإنسان السوداني يستحق حياة كريمة آمنة.
لا يمكن لأي مشروع سلام أن يكتب له النجاح ما لم يكن الإنسان – كل إنسان، مهما كان انتماؤه – في مركزه.
ولذلك فإن المصالحة ليست كلمات توقّع، بل قيمة تؤمن بأن كرامة السوداني أغلى من المكاسب السريعة، وأن حرية الناس وعدالة الفرص أساسٌ لا يُمسّ.
المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار
إن وضع السودان على طريق التعافي يحتاج إلى شجاعة. شجاعة الاعتراف بالخطأ، وشجاعة تقديم الوطن على كل الاصطفافات المؤقتة.
المصلحة الوطنية اليوم ليست شعارًا، بل شرط بقاء.
سلامٌ لا يقوم على المغالبة، بل على مشاركة مسؤولية إعادة البناء، وتضميد الجراح، وإعادة الثقة بين السودانيين أنفسهم.
نحو وعي جديد… يليق بالسودان
ليس المطلوب خطابًا مُنمّقًا ولا شعاراتٍ تذوب عند أول اختبار، بل وعيٌ جديد يفهم أن السودان، بأرضه ومائه وإنسانه، مشروع حضاري لا يمكن أن ينهض إلا بالسلام.
وعيٌ يتجاوز اللحظة، وينظر إلى المستقبل بعيون طفل يحلم، لا بعين مقاتل يتوجّس.
وعيٌ يقول:
نختلف… نعم.
نتحاور… نعم.
لكننا لا نمزّق وطنًا نحمل اسمه جميعًا.