واشنطن تنتقد تعنت البرهان وترحب بهدنة حميدتي الأحادية في السودان
بولس يشدد على أن الخطة الأميركية لم تنل قبول الطرفين وأن التزام قوات الدعم السريع يقتصر على المرحلة الأولى.
بادرت قوات الدعم السريع إلى التجاوب مع الموقف الدولي الضاغط لتُعلن هدنة إنسانية أحادية الجانب تستمر لثلاثة أشهر، في خطوة سياسية ذكية وضعتها في مصاف القوى المستجيبة للجهود الدولية، مقابل تثبيت صورة قائد الجيش عبدالفتاح البرهان، كالمعرقل الرئيسي لإنهاء النزاع.
وجاء هذا الإعلان مساء الإثنين على لسان قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، الذي قال في كلمة مسجلة “انطلاقا من مسؤوليتنا الوطنية واستجابة للجهود الدولية المبذولة وعلى رأسها مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومساعي دول الرباعية… نعلن هدنة إنسانية تشمل وقف الأعمال العدائية لمدة ثلاثة أشهر” مع الموافقة على تشكيل آلية مراقبة دولية.
وتمسّك البرهان برفض مقترح الهدنة الذي قدمته الرباعية الدولية قبل يوم واحد من إعلان دقلو، معتبرا أن الخطة “الأسوأ حتى الآن“.
وأعلن البرهان الأحد رفضه القاطع للمقترح معللا ذلك بأنها “تلغي وجود القوات المسلحة وتطالب بحل جميع الأجهزة الأمنية وتبقي الميليشيا المتمردة في مناطقها“.
ويُفهم من موقف البرهان المتصلب أنه يرفض شرط استبعاد القيادة الحالية والإسلاميين وفلول النظام السابق من المشهد السياسي بعد النزاع، ما يشير بوضوح إلى تفضيله استمرار الحرب على التخلي عن السلطة أو إبعاد الحركة الإسلامية التي يحرص على إيجاد تبريرات غير مقنعة للتملص من استحقاقات التسوية السياسية تحت تأثيرها.
وفي المقابل، أكد دقلو التزام قواته بمسار سياسي يشارك فيه الجميع باستثناء القوى المتطرفة، مشددا على “التزامنا بمسار سياسي يشارك فيه الجميع ما عدا الحركة الإسلامية الإرهابية والإخوان المسلمين والمؤتمر الوطني لأنهم يتحملون كل المأساة التي يعيشها شعبنا طيلة ثلاثة عقود“.
ويعزز هذا التصريح موقف الدعم السريع كقوة تسعى لعزل المتطرفين وتمكين الحل السياسي المدني، بينما يظهر الجيش كحام لفئة مستبعدة دوليا.
وقوبل رفض البرهان للهدنة بإدانة دولية، أبرزها من دولة الإمارات العضو في الرباعية، إذ انتقدت أبوظبي رفض قائد الجيش لمقترح الهدنة واتهمته بعرقلته.
وقالت وزيرة الدولة الإماراتية لشؤون التعاون الدولي ريم الهاشمي بأن “مرة أخرى يرفض الفريق البرهان مبادرات السلام. برفضه الخطة الأميركية للسلام في السودان، ورفضه المتكرر لوقف إطلاق النار، يظهر بشكل مستمر سلوكا معرقلا. ويجب قول ذلك بوضوح“.
ويظهر هذا التنديد الإماراتي مدى تباعد البرهان عن الإجماع الإقليمي والدولي.
وفي تصعيد غير مسبوق، صعّد البرهان من لهجته بتوجيه اتهامات مباشرة للمبعوث الأميركي مسعد بولس، قائلا إن “الوساطة التي تشارك فيها الولايات المتحدة ومصر والسعودية، إذا واصلت السير بهذا المنحى، فهي وساطة غير محايدة“.
وتجاوز البرهان ذلك ليصف المقترح بالاستفزاز، موضحا أن مبعوث الرئيس الأميركي “يتحدث وكأنه يريد أن يفرض علينا بعض الفروض،” كما أعرب البرهان عن خشيته من أن “يكون مسعد بولس عقبة في سبيل السلام“.
ويظهر هذا الهجوم على الوساطة الأميركية عدم اكتراث البرهان بالجهود الدبلوماسية الدولية، وتفضيله لنهج التشكيك والتعطيل.
ويتزامن الموقف السياسي المرن لقوات الدعم السريع مع تفوقها العسكري الملحوظ على الأرض، وهو ما يفسر جزئيا تعنت الجيش.
ويعاني الجيش السوداني من تراجع ميداني صعب للغاية، فقد خسر الجيش في 26 أكتوبر مدينة الفاشر بعد حصار طويل من جانب قوات الدعم السريع التي باتت تسيطر على كل غرب السودان.
وامتدت المعارك لصالح الدعم السريع من إقليم دارفور إلى منطقة كردفان المجاورة، ما يعزز موقع الدعم السريع التفاوضي ويقلل من نفوذ البرهان على الأرض.
وفي خطوة لتعزيز الموقف الإنساني والدولي، أكد قائد الدعم السريع التزام قواته بتسهيل العمل الإنساني، وتأمين حركة العاملين، وضمان وصول المساعدات إلى كل المناطق المتضررة بلا عوائق.
كما أعلن دقلو كذلك الموافقة على إنشاء آلية مراقبة ميدانية للهدنة الإنسانية تشرف عليها دول الرباعية والاتحاد الأفريقي والإيغاد.
وترسخ هذه الالتزامات الدولية صورة الدعم السريع كقوة مستعدة للتسوية وللاحتكام لآليات المراقبة، في مقابل دعوة البرهان “كل شخص قادر على الدفاع عن هذه الدولة وحمل السلاح الى أن ينضم فورا إلى جبهات القتال”، مؤكدا بذلك على إصراره على الحل العسكري المدمر، حتى في ظل خسارته المتزايدة للأرض.
ويمثل إعلان الدعم السريع لهدنة الـ90 يوما ورقة ضغط قوية تضع الجيش السوداني تحت المجهر الدولي كطرف معرقل للسلام، بينما تمنح الدعم السريع فرصة لتعزيز مكاسبها الميدانية والسياسية عبر إظهار الاستجابة للمتطلبات الإنسانية الدولية، وتؤكد على أن التحالف مع الحركة الإسلامية يكلف البرهان فقدان الشرعية والدعم الدولي.
العرب