مناورات البرهان تتجدد بالتراجع عن مساعي إنهاء حرب السودان
تحت ضغط الإسلاميين، قائد الجيش السوداني يؤكد المضي للقضاء على الدعم السريع واستئصالها بشكل كامل وتطهير كافة أرجاء البلاد.
شدّد قائد الجيش، عبدالفتاح البرهان، مساء الجمعة، على أن القوات المسلحة والقوات المساندة ماضية في القضاء على الدعم السريع واستئصالها بشكل كامل، مؤكدا أن الهدف يتمثل في هزيمة هذه وتطهير كافة أرجاء البلاد.
وأكد البرهان، خلال زيارته إلى مدينة القطينة بولاية النيل الأبيض، أن الجيش عازم على مواجهة قوات الدعم السريع حتى القضاء عليها، مشيرا إلى أن القوات المسلحة لن تتراجع عن هدفها في استعادة السيطرة على كامل الأراضي السودانية.
وتشكل هذه التصريحات نكسة فورية للمساعي الدولية، إذ تأتي بعد يومين من إعلان البرهان مساء الأربعاء استعداده للتعاون مع واشنطن والرياض لإنهاء الحرب، وهو ما يعيد طرح التساؤلات حول مدى استقلالية القرار العسكري السوداني.
ويكشف هذا التناقض عن مناورات البرهان المتكررة بين إظهار التجاوب مع المحور الأميركي-السعودي وبين الإذعان للضغوط الداخلية التي تمارسها القوى الإسلامية الموالية للنظام البائد، والتي ترفض أي حل سياسي يهدد نفوذها.
وتأتي تصريحات البرهان في وقت تتكثف فيه التحركات الدولية والإقليمية بشأن الأزمة السودانية، حيث أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه بدأ العمل على إنهاء الحرب في السودان بطلب من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه في واشنطن.
وهذه ليست المرة الأولى التي يبدي فيها البرهان تجاوبا مع مبادرات دولية، لكنه سرعان ما يتراجع عن أي التزام بالتفاوض أو الهدنة تحت ضغوط الحركات والقوى الإسلامية المسيطرة على القرار.
وتؤكد قوات الدعم السريع هذا التشخيص، حيث أعلنت في بيان أنها تتابع “باهتمام وتقدير بالغين، التحركات الدولية المكثفة”، لكنها أضافت مباشرة أن “العقبة الحقيقية أمام تحقيق السلام هي العصابة المتحكمة في قرار القوات المسلحة من فلول النظام البائد وقيادات تنظيم الإخوان (المسلمين)“.
وتلقي هذه الإشارة من قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، الذي يقدّم النزاع بانتظام على أنه معركة ضد “الإسلاميين المتطرفين” في المعسكر المعارض، بالضوء على الجناح المتشدد الذي يضغط داخل الجيش لرفض أي حل سياسي
يهدد بإنهاء نفوذه.
ويعتبر هذا الجناح أن أي هدنة أو تفاوض يكرس السيطرة الميدانية لقوات الدعم السريع التي باتت تسيطر على ثلث السودان، وهو ما يفسّر إصرار البرهان ومن خلفه الحركات الإسلامية على “استئصال” الدعم السريع بشكل كامل كهدف “حتمي”، حتى في وجه الالتزامات الدولية.
ورحّبت قوات الدعم السريع والإمارات على الفور بالتحركات الأميركية-السعودية، حيث أعرب وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، خلال محادثة هاتفية مع نظيره الأميركي ماركو روبيو، عن ترحيبه “بتصريحات فخامة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الداعية إلى وقف الاعتداءات المروعة التي تُرتكب بحق المدنيين”، كما أشاد “بقيادته الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار في السودان“.
وتعتبر الإمارات عضوا في مجموعة الوساطة المعروفة باسم “الرباعية” التي تضم الولايات المتحدة ومصر والسعودية.
واقترحت الرباعية في سبتمبر خطة تتضمن هدنة لمدة ثلاثة أشهر واستبعاد الحكومة الحالية وقوات الدعم السريع من المشهد السياسي لما بعد النزاع، وهو بند يرفضه الجيش حتى الآن، مما يظهر حجم الضغط الداخلي الذي يمارس على البرهان لعرقلة الحلول السياسية.
وتتزايد حدة المعارك على الأرض بالتزامن مع المحاولات الدبلوماسية، حيث كثّفت قوات الدعم السريع هجماتها في الأسابيع الأخيرة في إقليم كردفان المجاور لدارفور والغني بالنفط.
وأعلنت قوات الدعم السريع منذ أيام عن “التحرير الوشيك” لمدينة بابنوسة، التي تُشكل محورا استراتيجيا يربط غرب البلاد بالعاصمة الخرطوم.
وأفادت الأمم المتحدة عن وقوع مجازر واغتصابات ونهب ونزوح جماعي لسكان الفاشر بعد سيطرة الدعم السريع عليها مطلع نوفمبر، وذلك في حرب خلّفت عشرات آلاف القتلى ودفعت ملايين للنزوح وتسببت في أسوأ أزمة إنسانية في العالم، مما
يضاعف الضغط على الجيش السوداني للقبول بآلية دولية حقيقية لإنهاء الصراع.
وتؤكد هذه التطورات أن المراوغات المتكررة للبرهان تُشكل العقبة الرئيسية أمام المبادرات الدولية، حيث تبقى إعلانات التعاون مجرد تكتيك لكسب الوقت طالما بقي القرار العسكري والسياسي رهنا لنفوذ “فلول النظام البائد” داخل الجيش.
العرب