“إصرار البرهان على الحرب ورفضه للسلام.. نزعة هروب نحو الهاوية”

تقرير سوما المغربي

 

في خضمّ الأزمة المتفاقمة التي يعيشها السودان، يتمادى قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في تبنّي خيار الحرب كحل أوحد، رافضًا أي مساعٍ نحو السلام أو تسوية سياسية تضع حدًا لمعاناة ملايين السودانيين. في خطاباته المتكررة، يبرز البرهان صورة الزعيم العسكري الذي لا يرى في التفاوض إلا هزيمة، ولا في وقف إطلاق النار إلا خيانة لما يسميه “شرف المعركة”، بينما يُغضّ الطرف عن حجم الكارثة الإنسانية التي خلّفها الصراع، خاصة في إقليم دارفور والخرطوم والنيل الأبيض.

 

خطاب تعبئة لا أفق له..

إصرار البرهان على مواصلة الحرب تَمثّل بوضوح في تصريحاته الأخيرة التي هدّد فيها باستخدام أسلحة “غير مسبوقة”، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة بائسة للتحشيد الداخلي وبثّ الخوف، لا سيما مع تصاعد الانشقاقات من حوله وانكشاف تحالفاته القديمة مع فلول النظام الإسلاموي. في الوقت ذاته، بادرت مليشيات موالية له بإعلان التعبئة العامة وفتح مراكز التدريب، وترافق ذلك مع دعوات لإغلاق الجامعات، في مشهد يُعيد إلى الأذهان ممارسات الدولة الأمنية الشمولية.

 

حرب بالوكالة عن الإسلاميين..

تؤكد تحركات البرهان السياسية والعسكرية أن جيشه لا يزال واقعًا تحت نفوذ الإسلاميين وقيادات النظام السابق. فالمشهد الحالي ما هو إلا محاولة لفرض واقع يعيد إنتاج بنية السلطة القديمة تحت غطاء الحرب، مع توظيف الإعلام والدين والتخويف لخلق شرعية زائفة. ومع ذلك، فإن الشارع الثوري، خصوصًا في دارفور والولايات المتأثرة بالنزاع، يزداد قناعة بأن هذه الحرب لا تخدم سوى النخبة التي تخشى العدالة والمساءلة.

 

رفض للسلام.. وتكريس للإنقسام..

كان بالإمكان تجنّب سيناريو مواصلة الحرب، لو أن البرهان استجاب لدعوات وقف إطلاق النار.، إلا أن تمسّكه بخيار الحرب ورفضه الاعتراف بالوقائع الميدانية، يدل على رهانه على مزيد من الدمار كوسيلة ضغط على خصومه السياسيين والعسكريين. وقد وصلت به الحال إلى إنكار سقوط الفرقة السادسة في الفاشر، رغم وضوح الوقائع، مما أضعف مصداقيته داخليًا وخارجيًا.

 

 

“الكيزان ودعاة الحرب”استمرار العقلية القديمة..

يرى محللون ومراقبون أن التيار الإسلاموي، ممثلاً في الكيزان ودعاة الحرب، لا يزال متمسكًا بذات العقلية الإقصائية التي حكمت السودان لعقود، ويتجلى ذلك في وقوفهم خلف البرهان وتوجيه بوصلة الصراع نحو العنف المستمر. هؤلاء، الذين رفضوا تسليم البشير وأحمد هارون للجنائية الدولية، لا يرون في العدالة الدولية إلا تهديدًا لامتيازاتهم، ويستغلون أي حدث ميداني — مثل تحرير الفاشر — كمبرر لإعادة إنتاج مشروعهم القائم على الدم والسلاح. وهم يروّجون لفكرة أن الانتصارات العسكرية تمنحهم تفويضًا للعودة إلى الواجهة، متجاهلين التكلفة الباهظة التي يدفعها المدنيون، خصوصًا في دارفور والمناطق المنكوبة الأخرى.

 

الفرصة الضائعة لوقف إطلاق النار..

كان من الممكن تفادي كثير من الفظائع والانهيارات لو أن البرهان أبدى مرونة سياسية ووافق على مبادرات وقف إطلاق النار. لكن إصراره على استمرار القتال — في وقت كانت الفاشر تعاني من حصار إنساني خانق — يكشف عن رغبة مدروسة في صناعة “جنازة جماعية” يُسوّقها سياسيًا للحصول على تعاطف أو دعم خارجي. ومع ذلك، يشير خبراء إلى أن هذا النهج محفوف بالمخاطر، ليس فقط على صعيد الاستقرار، بل على وجود الدولة السودانية نفسها. فالمراهنة على مزيد من الحرب لن تعيد للإسلاميين نفوذهم، بل ستسرّع من سقوطهم الأخلاقي والسياسي.

 

يقود البرهان يقود السودان إلى المجهول؟

في ضوء هذا التعنت، يتساءل كثير من المحللين: إلى متى يستمر البرهان في خوض معركة لا منتصر فيها؟ وهل يُمكن لدولة تُدار من قِبل تحالف عسكري إسلاموي أن تكون حاضنة لسلام أو ديمقراطية؟ الإجابة تزداد وضوحًا مع كل تصعيد، ومع كل قرية تُقصف، ومع كل شاب يُقتل دون ذنب.، السودان اليوم أمام مفترق طرق: فإما أن ينتصر صوت السلام والعدالة، وإما أن يستمر البرهان في قيادة البلاد نحو هاوية لا قرار لها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.