جريمتان تهزّان الضمير السوداني!
جريمتان تهزّان الضمير السوداني!
منعم سليمان
جريمتان شنيعتان هزَّتا ضمير السودانيين حدّثتا في أسبوعين متتاليين، كلتاهما وقعتا تحت راية الجيش وميليشياته وكتائبه الإسلامية!
الجريمة الأولى حدثت في مدينة الحصاحيصا بولاية الجزيرة، حيث تعرَّض صبيٌّ يافع لاغتصابٍ ارتكبه جنود من ميليشيا درع السودان التي يقودها أبو عاقلة كيكل، وتقاتل تحت راية الجيش.
أما الجريمة الثانية، فكانت في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، حيث تعرَّضت طفلة لا تتجاوز ستّ سنواتٍ للاغتصاب على يد أحد “المجاهدين” المنتمين إلى كتيبة البراء، ويعمل معلِّمًا لمادة التربية الإسلامية في المدرسة التي تدرس فيها الطفلة نهارًا، بينما يقدِّم دروسًا للمقاتلين عن “فضل الجهاد والاستشهاد” بعد الظهر – جهاد النكاح والذباح واغتصاب الأطفال!
المأساة في الجريمتين لا تقتصر على بشاعة الاغتصاب فحسب، بل تتجسّد في ما يجمع بينهما من انحدار أخلاقي ورمزي داخل المؤسسات العسكرية التي ترفع شعار؛ حماية الأرض والعِرض والكرامة، ومؤسسات مدنية مزعومة ترفع شعارات تطبيق شرع الله وحماية بيضة الدين!
آه من هذا الدين المسكين!
لقد هرِمنا ونحن نشاهد كيف يشوّه تجار الدين من الكيزان الإخوان صورة دين الله الرحيم ونبيه الأعزِّ الكريم، ويصدَّروا باسمه للعالم دينًا مشوَّهًا ملطَّخًا بالدم والمنيِّ والصديد، وكل قاذورات الأرض من ما تعافه النفس السويّة ويهتزُّ له عرش الرحمن.
إن الإسلاميين في العالم كافةً، والسودانيين منهم خاصةً – لا استثناء فيهم إلا استثناءً يثبت القاعدةَ – لا أخلاق لهم، لا يحاربون لأجل الله والوطن وحرية الشعب وكرامته، بل من أجل السلطة والشهوة والمال!
من لم يكن منهم متطرفًا فكريًا كان منحرفًا أخلاقيًا، ومن لم يكن قاتلًا كان فاسدًا أو متواطئًا، ومن لم يكن سارقًا كان مغتصبًا!
إنهم ضِباع ضلّت الطريق إلى الله، فاتّخذت من الكذب والبذاءة منهجًا، ومن الدماء عبادةً، ومن الفساد والسرقة والجريمة دعوةً وجهادًا!
لقد عاصرنا أثر هذه العقليات المنحرفة طوال ثلاثة عقودٍ، تحوَّلت فيها المساجد إلى أوكارٍ للجريمة لبعض ممن تلبَّسوا بلبوس الدين، فارتكبوا الجرائم داخل بيوت الله، وكان بين المغتصبين – بل أغلبهم – أئمة ومؤذِّنون، ممن يُفترض أنهم أوتاد الأخلاق!
وما الدين سوى الأخلاق يا مولاي؟
وأذكر هنا مقالًا كتبتُه قبل نحو عشر سنواتٍ، حينها كانت جرائم التحرُّش بالأطفال واغتصابهم في المساجد في ذروتها، دعوت فيه الشباب إلى رفع لافتاتٍ على أبواب المساجد لتحذير الأهالي: (ممنوع من اصطحاب الأطفال)، بعد أن صارت المساجد أخطر من أفلام الرعب والدم والرذيلة.
لم يكن المقال سخرية من الواقع الأليم، ولكن كان الزمان – مثل هذا الزمان- “إخواناً”، والحاكم عمر!
إن ثورتنا المجيدة (ثورة ديسمبر) جاءت لتعيدَ للإنسان السوداني حريّته وكرامته وإنسانيته، فإذا بقادة الجيش – وهم من بقايا ذاك الزمان وحُثالته – ومن خلفهم أسيادهم الإسلاميون، ينقلبون عليها ليعيدوا سلطتهم وليلَهم الطويل: ليل الفساد والسرقة والقتل والاغتصاب.
إنَّ ما يحدث اليوم من فسادٍ وجرائم وأهوال يؤكد حقيقة دامغةً؛ أن الحكم المدني الديمقراطي لم يعد مطلبًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة وجودية للبقاء: لحماية وطننا وسيادته من جيشٍ خائنٍ بلا شرف، وحماية أطفالنا من فكرٍ شهوانيٍّ منحرفٍ ودينٍ مزيَّفٍ بلا أخلاق.
إنهم يغتصبون أطفالنا باسم الدين والكرامة!