منعم سليمان يكتب: شكراً السعودية.. إنهم أذلّاء ومهانون
شكراً السعودية.. إنهم أذلّاء ومهانون
منعم سليمان
ما من مهانة أشدّ على الأوطان من أن تُبتلى برجل صغير، يقفز إلى سدّة السلطة بلا أهلية ولا شرعية، فيصير الوطن الكبير في قبضته سلعة رخيصة، ومسرحًا للامتهان والسخرية.
وما من عذاب أقسى من أن يرى السودانيون تاريخهم المديد، وسمعتهم الناصعة، وكرامتهم المجبولة على الكبرياء، تُجرجر في الوحل كل صباح، كما يحدث الآن على يد البرهان وزمرته من اللصوص والأنذال!
لقد تقزّم السودان في عهده حتى صار أضحوكة الأمم، بعد أن كان منارة في القارة وقلعة للكرامة. وما مشهد زيارة دميته “كميل إدريس” إلى السعودية إلا تجسيد فجّ لهذا الانحدار.مطاعم السودان
دخل الرجل أرض الحجاز محاطًا بزمرة من اللصوص، كقراصنة يديرون سلطة على البحر – وهم كذلك- يقودهم خال البرهان (حسين الحفيال)، بلا صفة سوى قرابته من قائد الانقلاب، كأن الدولة تحوّلت إلى مزرعة تُدار بالعشيرة والدم لا بالمؤسسات.
وكان الاستقبال على قدر المقام: لا مراسم، ولا احتفال، ولا سيف، ولا رقص الهنود الحمر حول النار. ثم لقاءات مع موظفين حكوميين هامشيين في غرف التجارة والصناعة والبلديات: لا وزير ولا وكيل، ولا مسؤول من الدرجة الأولى، وكأنهم أرادوا أن يضعوه في حجمه الطبيعي: مريض نفسي، وقزم سياسي ينتحل صفة رئيس وزراء، ومهرّج بروتوكولي عابر بلا قيمة.
ثم جاء الفصل المبتذل من الفضيحة بادعاء “التسمم الغذائي”، وكأن القدر شاء أن يسخر من هذا المشهد برمّته.
فالتسمم لا يليق إلا بآكل رخيص على موائد الأرصفة، لا بضيوف الدولة الكبار!
لكن المرض الحقيقي ليس في أمعاء كميل إدريس؛ بل في جسد هذا النظام الآسن، في دمائه العفنة التي تسمّم سمعة السودان.مطاعم السودان
والحقيقة أن المرض أصابنا نحن: سمعتنا التي تسمّمت، صورتنا التي تسمّمت، عقولنا وأفئدتنا التي تسمّمت من هذا العبث المهين. وما كان مرضه في النهاية إلا ذريعة للهروب بعد أن قيل له بلسان الدبلوماسية لا بلسان الفم: “غادر، فقد استوفيت مهزلة وجودك”.
إن سلطة البرهان/الكيزان ليست انقلابًا على الشعب فقط، بل انقلابٌ على معنى الوطن نفسه. ووجودهم ليس مجرد عثرة سياسية عابرة، بل وصمة تُخصم كل يوم من رصيد السودان التاريخي، من كرامة أهله، من ماء وجهه بين الشعوب.مطاعم السودان
ما أشدّ إهانة أن تتحوّل البلاد، التي عُرفت بالعزّة والصمود والريادة في القارة، إلى سلعة في يد عسكر أذلاء وكيزان مهانون يتصرّفون كما يتصرّف القراصنة على شاطئ منهوب.
وما أقسى أن يُحوَّل الشعب الذي كتب تاريخه بالدم والعرق والصبر إلى أضحوكة بفضل زمرة انقلابية رخيصة، بوجوه متخشّبة لا تعرف حمرة الحياء ولا برقع الخجل: لا ترى في السلطة إلا غنيمة، ولا في الوطن إلا مائدة لملء البطون!
هذا البرهان حقير، وسلطته أحقر منه. وكل يوم يمدّون فيه أعمارهم على مقاعد السلطة، يخصمون قرنًا كاملًا من عمر السودان وهيبته.مطاعم السودان
إنهم لا يسرقون ذهب البلاد ويفرّطون في أرضها وحدودها ومائها فحسب، بل يسرقون روحها وتاريخها وصورتها الناصعة بين الأمم.
لقد أصبح السودان اليوم أسير عصابة تتاجر بدمه وتاريخه، عصابة لا تعرف من السيادة إلا الشعارات، ولا من الوطنية إلا اللافتات الفارغة. ولعل أقسى ما في المشهد أن العالم لم يعد يخاطبنا إلا بما يليق بسلطة بلا شرعية، وبما يليق ببلد صار يُدار بالصدفة والقرابة.
إننا أمام جريمة كبرى، جريمة لا يغفرها التاريخ ولا يرحمها الوجدان: جريمة إذلال وطن كامل وإحراق سمعته.مطاعم السودان
ولئن ادعى كميل المرض، فإن الحقيقة أن المرض الحقيقي يسكن في جسد هذا النظام، سرطان ينخر في كيان الوطن، ولا شفاء له إلا بكنسه وكيزانه وجيشه وميليشياته إلى غير رجعة.
شكرًا للمملكة العربية السعودية على هذه المرآة الصافية: أرتهم حقيقتهم العارية، فأكرمتنا بمهانتهم، وأكرمتهم بذلّ يليق بهم.