أ. حسن القاسم يكتب: إلى أين تتجه تحركات الرباعية حول الأزمة السودانية ؟
إلى أين تتجه تحركات الرباعية حول الأزمة السودانية ؟
أ. حسن القاسم
اليوم هو أقرب الأوقات التي يمكننا القول فيها أن الآلية الرباعية الراعية لحل الأزمة السودانية قد بدأت تضع يدها مباشرة على الجرح السوداني حتى وإن لم ترغب في معالجته سريعاً ، لكن لا نستطيع أن نجزم بأن هذا البيان الأخير يصب إيجابياً في صالح حكومة تحالف “ تأسيس” باعتبارها كياناً سياسياً يسعى لتقديم نفسه بديلاً شرعياً وعملياً للسلطة الانقلابية. نعم المؤشرات تقول كلما ازدادت عزلة البرهان، ارتفعت أسهم القوى المدنية بوصفها الضامن الحقيقي لانتقال سياسي سلمي ومستقر. ولكن الوضع السياسي امامه تحديات وتتطلب المزيد من العمل ، وبما أنّ الآلية الرباعية لم تغلق باب التعامل مع الفاعلين السياسيين المدنيين، فإن حكومة تحالف “تأسيس” تجد نفسها أمام فرصة نادرة لإثبات وجودها في المشهد الدولي، وإقناع هذه القوى بأنّها الجهة الأكثر جدارة بالشراكة
من هذه الزاوية، يمكن النظر إلى ردّة الفعل الغاضبة للبرهان بوصفها سيفاً ذا حدّين بل هو تهديد مباشر لسلطته عبر تضييق دائرة الدعم الدولي، وفي الوقت نفسه إشارة ضمنية إلى أنّ البدائل المدنية – مثل حكومة تحالف “تأسيس” –قد تكون مخرجاً مقبولاً لدى هذه الأطراف ، واللمحة المفهومة من بيان الآلية الرباعية، بما حمله من لهجة قوية، كشف هشاشة موقع حكومة البرهان على الساحة الدولية، وأكّد أنّ مستقبلها يزداد ضبابية مع تزايد الضغوط الخارجية. لكن هذا التطور ذاته يفتح الباب واسعاً أمام حكومة تحالف “تأسيس” لتكسب الشرعية الدولية إذا ما أحسنت ترتيب صفوفها وقدّمت نفسها كخيار مسؤول وقادر على إدارة مرحلة انتقالية جديدة .
وعلينا أن نفهم بوعي كامل أن الأحداث السياسية لا تُقاس فقط بما يرد في نصوص البيانات أو ما يصدر عن أبواق الحكومات من ردود غاضبة وإنّما قيمتها الكبرى في ما تكشفه من موازين القوى المتغيّرة، وما تفتحه من مسارات جديدة في صراع الشرعية والسلطة. ومن هنا تبدو ردّة فعل حكومة البرهان على بيان “الآلية الرباعية” أكثر من مجرّد مغازلة خلفها اعتراض دبلوماسي واضح لتغلغل الإسلاميين حول القرار، فهي في حقيقتها مرآة لاهتزاز عميق في بنية الانقلاب، وانكشافه أمام الرأي العام الدولي والإقليمي .
إذ أن الرباعية لم تعد تتعامل مع البرهان كرقم صعب أو ضامن للاستقرار، بل باتت تراه عقبة أمام أي عملية انتقالية جادة. وهذا التحوّل في نظرة القوى الدولية يعني أن الإنقاذ المؤقت الذي وفّرته له تحالفات إقليمية أو تفاهمات ظرفية، بدأ يتآكل شيئاً فشيئاً .. لكن المفارقة أنّ هذه الخطورة على البرهان تنقلب في الوقت نفسه إلى نافذة إيجابية لتحالف “تأسيس”. فالمشهد الدولي حين يسحب شرعيته من لاعب، يتهيأ للبحث عن بديل. والبديل لا يولد في فراغ بل يتغذّى من لحظة الانكشاف ..و حكومة “تأسيس” بديل أظنه جاهز لذلك – إذا أحسنت إدارة خطابها ورصّت صفوفها – تستطيع أن تتحوّل من مشروع دفاعي إلى خيار سياسي معقول يتعاطى مع الأزمة تعاطي أعمق في نظر الفاعلين الدوليين، لكونها تقدّم ما يفتقده البرهان: أفقاً مدنياً مقبولاً يَعِد بالاستقرار
إنّ ما يواجهه السودان اليوم ليس مجرد أزمة حكم، بل أزمة تعريف للشرعية. والشرعية في عالم اليوم لم تعد تُصنع بالبنادق وحدها، بل بالقدرة على كسب ثقة الداخل وإقناع الخارج معاً. لذلك فإن بيان الرباعية، بما حمله من لهجة صارمة، وضع البرهان أمام لحظة حقيقة، وكأنه يقول له: لم تعد مالك زمام المبادرة، بل مجرّد طرف محاصر يزداد ضيقاً يوماً بعد يوم
وفي المقابل، وضع البيان أمام حكومة “تأسيس” فرصة تاريخية في أن تتحرّك من الهامش إلى جلب الحقوق الشرعية ، وأن تعرض نفسها كجسر بين الداخل المأزوم والخارج القلق. فالقوة لا تُكتسب بالعدد وحده، بل بقدرة الفكرة على إقناع العقول في اللحظة المناسبة .