مجاهد بشرى يكتب: مكتب الجزيرة السودان منبر “الرأي والرأي الآخر” حين يتحوّل إلى أداةٍ تعبئةٍ للحرب
لم يكن شعار قناة الجزيرة، “الرأي والرأي الآخر”، مجرّد عبارة دعائية، بل كان لسنوات طويلة عنوانًا لبناء سمعة عالمية تقوم على التعددية وإتاحة المنابر للرؤى المختلفة، غير أنّ هذا الشعار، في التجربة السودانية تحديدًا، سقط سقوطًا مدوّيًا عبر مكتب القناة في الخرطوم، الذي لم يعد ناقلًا محايدًا للخبر، بل غدا طرفًا منحازًا في الصراع، يعمل على إعادة إنتاج خطاب الحركة الإسلامية والجيش، ويغفل – عمداً – عن أصوات القوى المدنية المناهضة للحرب.
والمتابع لخطاب الجزيرة السودان يلحظ أنه تحوّل إلى صدى مباشر لما يكتبه معسكر الحرب، دون جهد يُذكر للتحقق أو إتاحة الرأي الآخر.
- يتم التعامل مع البيانات العسكرية للجيش وكأنها روايات يقينية.
- يُعاد نشر خطابات الإسلاميين وتحليلاتهم بوصفها “حقائق ميدانية” بل. وتكرارها أحيانا، او نشهرها بصورة راتبة.
- في المقابل، يجري تغييب الأصوات المدنية التي تنادي بوقف الحرب أو استعادة الحكم المدني، وكأنها غير موجودة أصلًا في المشهد.
هذا الانتقاء المقصود يجعل من المكتب شريكًا مباشرًا في صناعة الرواية الرسمية، لا ناقلًا لها فحسب.
الأمر لا يقتصر على إغفال الرأي المدني، بل يتعدّاه إلى محاولات تشويه متعمدة.
- قوى الحرية والتغيير تُصوَّر في خطاب المكتب وكأنها عبء على الدولة.
- منجزات الحكومة الانتقالية بعد ثورة ديسمبر تُختزل وتُقزَّم، رغم أنها شكّلت أول تجربة مدنية في تاريخ السودان الحديث.
- كل دعوة لوقف الحرب تُقدَّم كأجندة تخريبية أو خيانة وطنية.
بهذا، صار مكتب الجزيرة السودان جزءًا من مشروع الإسلاميين الرامي إلى إقصاء القوى المدنية، وإعادة فرض هيمنتهم على المجال السياسي.
اللغة ليست تفصيلًا صغيرًا في الحرب الإعلامية، بل هي السلاح الأخطر.
- الدعم السريع يُقدَّم دومًا بوصفه “مليشيا” أو “مليشيا آل دقلو”.
- في المقابل، تُمنح مليشيات كيزانية أخرى مثل “قوات درع السودان”، و مليشيات البراء صفة “القوات”، رغم طابعها غير النظامي.
- هذا التناقض يفضح الانتقائية، خاصة وأن الدعم السريع نفسه قد أُضفيت عليه الشرعية عبر قانون صادر من برلمان الحركة الإسلامية، وصار قوة نظامية، وقائدها ارتقى إلى منصب نائب رئيس المجلس العسكري، ثم نائب رئيس مجلس السيادة، وكان قادة الجيش يتغنون ببطولاته حتى وقت قريب، وهي نقطة نريد ان نوضح بها خطورة التسميات.
إنّ هذا التحايل اللغوي ليس بريئًا، بل يهدف إلى إعادة تشكيل الوعي العام وتوجيهه بما يخدم طرفًا بعينه.
فحين يُصبح الخبر أداة شحن، والإعلام منصة تعبئة، يتحوّل الصحفي إلى مقاتل من نوع آخر.
- التغطيات اليومية لمكتب الجزيرة تشحن المجتمع ضد نفسه: الشرق ضد الغرب، الشمال ضد دارفور، المدني ضد الثائر.
- هذا الخطاب لا يكتفي بتشويه الوقائع، بل يغذي الكراهية ويبرر استمرار الحرب، مانعًا أي أفق للتسوية.
- بذلك، لم يعد المكتب وسيطًا ناقلًا، بل غدا طرفًا أصيلًا في إطالة المأساة السودانية.
ولفهم هذا الانحياز لا بد من النظر إلى القيادة التحريرية.
- المسلمي الكباشي، مدير مكتب الجزيرة – السودان ، ليس صحفيًا محايدًا، بل أحد كوادر الحركة الإسلامية القدامى.
- في مطلع التسعينيات كان يلقي محاضرات دعوية للحركة الإسلامية في موسكو ويوغسلافيا ضمن بعثة سلطة الانقاذ الوطني ” الواجهة السياسية للحركة الإسلامية، ضمن أنشطة ذات طابع تعبوي وأيديولوجي.
- هذه الخلفية تفسر لماذا يتماهى المكتب مع خطاب الإسلاميين، ولماذا يصعب تصديق حياده أو مِهنيته.
إنّ وجود شخصية كهذه على رأس المكتب يجعل منه عمليًا منصة كيزانية بغطاء الجزيرة.
الإعلام المنحاز ليس مجرد خلل مهني، بل عامل خطير يضاعف من أمد النزاع.
- التغطيات المنحازة تساهم في تفتيت المجتمع وتعميق الاستقطاب.
- خطاب الجزيرة السودان يحوّل المعلومة إلى أداة حرب نفسية، تُستخدم لتعبئة الجماهير، وإقصاء أي بديل مدني أو ثوري.
- بهذا، يصبح المكتب شريكًا مباشرًا في الحرب، مساوٍ في خطورته للرصاص والقصف.
وما يجري في السودان ينسف مصداقية شعار الجزيرة.
- بدل “الرأي والرأي الآخر”، صار الشعار في السودان “رأي واحد، بلا بديل، او مصداقية”.
- هذا الانحياز لا يضر فقط بمستقبل السودان، بل يهدد سمعة الجزيرة على المستوى العربي والدولي، بوصفها قناة تخلّت عن أهم ما ميّزها: التعددية.
إنّ مكتب الجزيرة السودان لم يعد منبرًا إعلاميًا، بل غدا طرفًا فاعلًا في الحرب، يمدّها بالخطاب الذي تحتاجه لتستمر.
إنّ مسؤولية مواجهة هذا الدور تقع على عاتق الجمهور السوداني أولًا، الذي ينبغي أن يتعامل مع هذا المكتب كخصم، لا كوسيط محايد. فالحرب الإعلامية التي يقودها لا تقل خطورة عن الحرب العسكرية، لأنها تُعيد إنتاج الانقسام وتُطيل أمد الدماء.
الحقيقة لن تُستمد من مكتب يدار بعقلية كيزانية، بل من تعدد الأصوات الحرة التي تحاول أن تعكس الواقع كما هو، لا كما يريد له الكيزان أن يُرى.
#لاللحرب قولاً واحدا. #المؤتمر_الوطني_والحركةالاسلامية_منظومة_ارهابية