منعم سليمان يكتب: وانتهى الحلم في أديس
🟨 وانتهى الحلم في أديس
منعم سليمان
انطفأ وهج الأمل سريعًا، وانتهى حلم البرهان عند عتبة مجلس السلم والأمن الإفريقي، الذي خرج من اجتماعه أمس بخاتمة لم تكن على مقاس ما رُسم في بورتسودان.
لم يُرفع تعليق عضوية السودان.
لم يُرفع لأن مفاتيح العودة لا تُمنح إلا لحكوماتٍ تنبع شرعيتها من إرادةٍ مدنية، أو لمسارٍ سياسيٍّ مدنيٍّ متّفق عليه، يؤسّس لعمليةٍ سياسيةٍ حقيقية مع إيقاف الحرب التي أحرقت قلب البلاد.
ساذجٌ بعد ذلك، غبيٌّ، من ظنّ أن الحرب كانت سبب تعليق عضوية السودان، كما يتوهّم البرهان ورهطه. فالقرار الذي جُمّدت به عضوية السودان لم يُتخذ بعد اشتعال الخراب، بل في أعقاب انقلاب 25 أكتوبر 2021 المشؤوم، حين أُطيح بالانتقال المدني، وسُرقت الثورة من بين أيدي أصحابها.
وما لم تُصحَّح هذه الجريمة، ويُعَد القطار إلى سكّته، فلن يُرفع التعليق، ولن يعود السودان إلى حضن الاتحاد… هذا هو المبتدأ والختام.
إذاً، كلّ ما جُهّز خلف الكواليس سقط سقوطًا مدويًّا. لم تنجح تحالفات الظل التي نُسجت بخيوط المال والابتزاز. لم تُجْدِ الرشاوى المُغلّفة بدبلوماسيةٍ منحطّة، ولا تآمر “الكوز” الجيبوتي محمود علي يوسف، الذي سخّر موقعه في الاتحاد لخدمة مشروع العسكر. ولم تُفلح رحلات محمد بلعيش، المبعوث الجزائري، التي توزّعت بين أديس أبابا وبورتسودان، في تلميع صورةٍ فقدت ملامحها أمام القارة.
حتى حين دفع البرهان بدُميته كميل إدريس على هيئةٍ مدنية، لم يكن ذلك سوى قناعٍ هشّ. إذ لم يُعيَّن الرجل إلا ليُقال للعالم: انظروا إليه، إنه “مدني”، ثم يُعلَّق في الهواء كزينةٍ لا تصلح حتى للاستهلاك الإعلامي. لذا، اقتصر الترحيب به داخل المجلس الإفريقي على اعتباره مجرد “دمية مدنية”، لا أكثر، كعربون مجاملةٍ لدولٍ دفعت باسمه كي تخرج من “مولد سيدي البرهان” بحنظلٍ مغلّفٍ بغلاف دبلوماسيٍّ على شكل حمّص.
رسالة المجلس جاءت واضحة كالشمس في ذروة النهار: لا شرعية بدون انتقال مدني حقيقي. لا طريق للعودة إلى البيت الإفريقي دون سلامٍ سياسيٍّ شامل. لا مكافآت تُمنح لحكومات الأمر الواقع، ولا اعتراف بمن يُشهِر البندقية على صدر شعبه ثم يدّعي أنه المُخلِّص.
لقد كان الجيش وحكومة بورتسودان – ومن خلفها الكيزان – يراهنان على دعمٍ إفريقي يُضفي عليهما شرعية مفقودة. لكنّ رفض المجلس رفع التعليق جاء ليُذكّرهما بأن العالم من حولهما لم يُصَب بعد بعمى الوقائع. وأن السيطرة العسكرية لا تصنع شرعية، والبنادق لا تُسكت الدستور والقانون.
في أديس أبابا، لم يخسر البرهان قرارًا فحسب، بل خسر وهمًا كان يظنّه قابلاً للتسويق. أمّا القارة، فقد قالت كلمتها: لا مكان بيننا لمن جعلوا من الانقلاب مدخلًا، ومن الحرب مخرجًا.