يا من تكتب ولا تراعي، اتقوا الله في هذا الوطن
إبراهيم الشيخ بشارة
تدخل البلاد خريفها الثالث، ويشتكي جسد الوطن الحبيب من سيل الدم بدلًا عن سيل نعيم أمطاره وكسوة اخضراره. والسبب في ذلك تلك الشرارة الخبيثة التي تُعد من أخطر التحديات التي واجهتها البلاد، وهي تمدد خطاب الكراهية والخطابات الضيقة المغذية له. فنتيجة هذا الخطاب هو الصراع الدائر، ونرجو من الله أن يرفع هذا البلاء عن أهل السودان، وأقصد بذلك الحرب تحديدًا.
أما التحدي المخيف فهو انتشار واستمرار خطاب الكراهية بين مكونات المجتمعات السودانية. فقد بدا هذا الخطاب كسولًا مترنحًا، إلا أنه الآن بلغ ذروته، وهيمنت فيه هذه الخصال الشنيعة، فشغل الأسماع والأفكار، وما زال قائمًا يستمد قواه من دعاة الشر، على أساس اللون، والجهة، والجغرافيا، والانتماء القبلي، والولاء السياسي، أو على أساس التشفي لقضايا قد تكون فردية أو شخصية حتى.
لكن ما هي أسباب هذا الخطاب؟ الحقيقة أن السودان دولة بها ميزات تختلف عن كثير من دول العالم. فالتنوع، مثلًا، غير موجود عند كثير من الشعوب، وهو سلاح ذو حدين. فإن تمت إدارته بالصورة المطلوبة استفاد الوطن منه، وإلا فلا.
فالناظر إلى هذا المنحى يجد أننا، منذ فجر التاريخ ومنذ الاستقلال، لم نحسن إدارة التنوع، بل فشلنا فشلًا ذريعًا يجب الاعتراف به أولًا. والحقيقة أن إدارة مثل هذا التنوع المتعدد في اللون، واللهجة، والجهة (العرق)، والثقافة، والمعتقد لم تكن بالأمر السهل. لكن، مع ذلك، لم يُبذل من المجتمع السوداني جهد يُذكر لتلافي انزلاقات المجتمع، ثم انهيار الدولة ووقوعها في هذه الهاوية وساحة العنصرية البغيضة، والاستعلاء، والشعور بالدونية.
ومن هذا التباغض والمناحرة تولدت الكراهية نفسها، على منوال لا ينفصل عن سلوك الفرد والمجتمع. والدليل ما نحن عليه الآن.
سبب آخر يتمثل في مفهوم الدولة. حسبما أرى، فإن الأجهزة الرسمية في خطابها الإعلامي لم تكن تُلقي بالًا لما يؤول إليه حال المجتمع. فقد انشغلت بأغراضها الخاصة في السياسة، وتركت المجتمع بدون أدنى اهتمام. وإلا، لما بلغ هذا المبلغ من الكراهية والتناحر.
فعليه، ينبغي توظيف قدرات المجتمع في الاتجاه الصحيح.
يا من تكتب ولا تراعي، ويا من تتحدث ولا تستحي، ويا من تتلقى وتستجيب…
شعوبنا الموسومة بالأخلاق منذ قرون: اتقوا الله في الوطن، إنما نحن أمة واحدة.